التابوت!!

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2009-06-13
1487
التابوت!!
بسام الياسين

حكوماتنا الرشيدة و- كلها رشيدة بالمناسبة -   تختلف عن حكومات الدنيا قاطبة، بانها من ذوات الاعمار القصيرة، مما يستدعي ادخالها حواضن الخداج، وغرف الانعاش، لابقائها على قيد التنفس، وقد تميزت بان لكل واحدة اسما، يُستنبط من واقع حالها، وظروف تشكيلها، كتعويض عن برنامجها المفقود. فواحدة حملت اسما فرويديا صريحا - الدفع قبل الرفع - فانجبت عددا من القضايا غير الشرعية، وكان على رأسها اللعب بسعر الرغيف، سفير الجوع المعتمد لدى البلاط الشعبي الاردني باستثناء - أكلة البسكوت والشوكولا - كما قام رئيسها آنذاك بتهديد نائب مسيحي باجراء عملية ختان له، لانه عارض «الرفع» واصر على «الوضع» الطبيعي.

بعدها هبطت علينا حكومة علي ابو الراغب التي كانت شديدة الوطأة على المواطن، وثقيلة على اكتافه كالحديد «وانزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس» /الاسراء/ حيث وضعت المواطن هدفا لها، وكأنه يمتلك منجما من هذه المادة المطلوبة تجاريا وزادت الضرائب، واستحدثت ضرائب جديدة حتى قيل فها حكومة «ابو الضرائب» ووصف احدهم قسوتها «ولهم مقامع من حديد» /سورة الحج/ وكان خير وصف للرئيس آنذاك «وألنّا له الحديد» /سورة سبأ/ .
حكومة اخرى حملت بتوأم الاصلاح الاداري، والتنمية السياسية، وعلى الرغم من الرعاية الطبية الفائقة للاجنة، أُجهضت التنمية، وسقط الاصلاح قبل ان يتشكل وينمو داخل رحمها وقد اصيبب بحالات نزف شديد، وبلغت مراحل متقدمة من الاسراف في الاسراف، مما استدعى رحيلها.
وجاء المعروف البخيت، حاملا معه شعار الطبقة الوسطى، حيث اعتبر الرئيس نفسه واحدا منها، وتعهد برعايتها، وعدم المساس بها، ولكن هذه الطبقة الخلاقة ذابت تحت ضربات الواقع الاقتصادي السيء، والسياسات الارتجالية، وتعرضت حكومة البخيت لهزات عنيفة.. الثلوث، وكازينو البحر الميت، واخطاء وخطايا الانتخابات البلدية، والنيابية.
وكانت الطامة الكبرى قدوم حكومة الديجتال، واستلام فتيان الليبرالية الجدد دفة الحكم، واستيراد الوصفات الاقتصادية المسمومة الاقرب الى المغامرة والمقامرة منها الى الاقتصاد المنتج المتوازن، وقد تعاملت مع الوطن على انه شقة مفروشة قابلة للايجار، وممتلكاته جاهزة للبيع بالتلزيم وليس بالمزاد العلني التنافسي، هؤلاء الفتية بساستهم المتهورة رفعوا نسبة الفقر والبطالة، وانتشرت الرشوة والتهريب والتزوير، واتسعت رقعة تعاطي المخدرات والمهدئات والكحول، وارتفع منسوب التحلل القيمي والاخلاقي.
اليوم نحن ننعم بافياء الحكومة الذهبية التي حصلت على اجماع النواب، ورضى الشارع مع انه لم يلمس من بركاتها الذهبية الا البريق اللامع، والسراب الخادع، ولم تلامس لقمة عيشه المواطن، وانفلت عقال الاسعار بفضل جشع التجار، وغياب المراقبة، وسياسة السوق المثقوبة، كما انها اي - الحكومة الذهبية - لم تحسم موقفها من نتائج التحقيق باتهام مسؤولين كبار بوزارة المياه بالتقصير، وتحميل اسرائيل مسؤولية تلويث مياهنا ونهرنا المقدس، والاخطر كان ردها على مشروع الوطن البديل الذي جاء خافتا لدرجة من الفهاهة ان احدا لم يسمع به.
المحصلة اللافتة للنظر ان الحكومات كافة انتهجت اسلوب ذلك الراعي الذي كان يقدم افضل الاعلاف والاعشاب الطرية، والمياه النقية للخراف السمينة، فيما يمنعها عن الخراف الهزيلة، ولما سئل عن السبب اجاب: «انا لا افسد ما اصلح الله، ولا اصلح ما افسد الله».
اما عن توزيع المناصب والمقاعد البرلمانية بعد الديمقراطية    فانتهجت الحكومات العتيدة «خياركم في الجاهلية، خياركم في الاسلام» واصبح بعض رجالات المرحلة العرفية يتصدرون واجهة الديمقراطية.
لا احد يعرف السر في مداهنة الحكومات للمتنفذين ومن لف لفهم مع ان الوطن صنعهم من لا شيء، ولما تمكنوا منه وفيه، استحلبوا ثرواته، وجمعوا اموالا طائلة من خيراته، والمفارقة ان التجار ورجال الاعمال واصحاب المصانع وورثة الاغنياء هم الاثرياء في كل بقاع العالم، الا عندنا فاصحاب الحظوة من كبار الموظفين والمتنفذين، هم الذين يتربعون على رأس الهرم الاقتصادي، ويتحكمون في رقاب الناس.
المواطن الاردني اخذت تجاعيد روحه تتمظهر على صفحة وجهه وخطوط جبهته الغائرة، وتقشرت اصابعه من التعب والفقر والمرض، وهو اليوم لا يبحث عن مسيح جديد يمشي فوق الماء لانتشاله من محنته، ولا عن حاو يرقص فوق الجمر لانقاذه من معاناته، بل يدعو الله ان يُقيض له مجلسا وزاريا يتحسس اوجاعه، وبرلماناً شعبياً منتخبا بقانون عصري بعيدا عن التزوير ليدافع عن الضعفاء والمهمشين والمنبوذين.
ففي مجتمع القوة ماذا تفعل العصافير طرية العظم مع الجوارح الكاسرة؟ وماذا تفعل الغزلان الوادعة مع الوحوش الضاربة؟ وماذا تفعل الاسماك الصغيرة مع الحيتان والهوامير الكبيرة؟ وماذا يفعل مواطننا المسكين الواقع بين فكي كماشة يمسك بطرفيها رقيع يلهث خلف الثروة، ووضيع يبحث عن الجاه؟
ان حارتنا ضيقة يعرف فيها الجميعُ الجميعَ حيث ضاقت فيها الطواقي المستعارة على رؤوس المتنفذين وكبار الموظفين المحشوة بالمصالح   الشخصية، تماما كما ضاقت احوال المواطن المعيشية عليه واصبحت كأنها التابوت.. فما الحل يا اهل الحل؟
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

ابو منصور15-06-2009

ابو محمد ، شكرا لك على هذه المباشَرة والضرب على الوجع في هذا المقال الذي اظهر وضع الفساد ومعدله التراكمي المرتفع جدا!!

اسمح لي ان اقول ما يلي : عبثاً يحاول المواطن ذو الروح المتجعدة ان يجد الحل لمحنته من خلال مجالس نواب او وزراء مهما كانت ، بدون وجود احزاب قوية تعمل على نشر
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.