الموظف!!

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2009-06-17
1426
الموظف!!
بسام الياسين

ودعته القرية عن بكرة ابيها، لانه يمثل  الحلم المنتظر لابنائها في المدينة. الكبيرة - العاصمة -. استقر في المقعد الخلفي للسيارة المستأجرة، لوح لجمهور المودعين بيده دون اسراف. اختصر  الطريق على احلام يقظته، بان طموحه المستقبلي لن يتجاوز اكثر من مدير عام المؤسسة التي سيعمل بها  غدا.
اراد السائق ان يقطع  حبل الصمت المطبق بينهما، فتحدث عن مشكلة  الغلاء الفاحش.. كان سيندفع بحماس، ينم عن ثقافة واسعة، والمام  شامل بالموضوع، الا ان نداء داخليا نبهه الى ان ذلك لا يليق بالرجال «المهمين»  امثاله.
رد على السائق بكلمات مقتضبة،  وواصل صناعة احلامه.
نام تلك الليلة على كومة عالية من الاحلام الملونة. نهض مبكرا، واستقل اول سيارة  متوجهة الى مركز عمله الجديد وحين  وصل هناك، وجد ابوابها مغلقة، ادرك  انه جاء قبل  موعد الدوام بساعة على الاقل.
حاول ان يشغل وقته باي شيء. ابتاع صحيفة،  الا انه لم يفلح في قراءة المانشيتات الرئيسية،  طواها تحت ابطه، وراح يتأمل بناية المؤسسة التي سيكون -  مديرها العام -   مستقبلا. كانت ضخمة،  تليق به، وتناسب حلمه.
بدأت  جموع الموظفين بالحضور، اندس بنهم وهمّ بالدخول، لكن البواب استطاع ان يفرزه، وسأله عن سبب حضوره،  فاجاب بثقة انه الموظف الجديد. تركه وشأنه دون كلمة ترحيب.
استوضح عن مكتب المدير، فاخبروه بانه في الطابق الاخير، استقل الدرج بدلا من المصعد، لعدم درايته كيفية قيادته خاصة انه من النوع الحديث.
وصل الطابق الاخير، وهو يتنفس من فمه عوضا عن انفه.
شاهد  مكتبا صغيرا مفتوحا، يقود الى مكتب المدير  فيه فتاة على طاولتها لوحة  كتب عليها «السكرتيرة». نظر اليها، الا انها تشاغلت عنه، باوراق امامها بدقة محترف.
التقط انفاسه، وسألها عن «سعادته» سددت اليه نظرات نفاذة، اخترقت عظامه، وباسلوب مفطور على السخرية،  وسوء الظن، استفسرت منه عن الموضوع لتشرحه له: فاخبرها   بانه الموظف الجديد. وبأبتسامة ماكرة   اشارت اليه بالدخول بحركة مسرحية  كانها راقصة تتلوى على موسيقى رديئة. نقر الباب، فسمع صوتا من الداخل يدعوه للدخول. الى المكتب الواسع الفخم، الذي يوحي بالاسراف والفخامة، وصوب نظرة فاحصة فدخل الى سعادته، واحس من قراءته  لملامح المدير، ولغة جسده وتركيبة بنيانه وهو يتحدث  على الهاتف، بان ملامح هذا  المخلوق تشي برجل يشبه الخنزير، نؤوم يعيش ليأكل وينهب وينكح، فالوجه لا تخفي صفحته خافية حتى لو قام صاحبها باجراء عدة عمليات تجميلية.
ظل الشاب واقفا فيما واصل المدير حديثه مستفسرا عن التشكيلات الجديدة، والتغيير الوزاري المنتظر، واختتم  حديثه لمحدثه على الطرف الاخر  ان الحياة حلم قصير، يجب ان لا نبالغ فيها وعلى الواحد منا ان يعيش فيها زاهدا، ويكسر رغباته في المال والمنصب  والجاه حتى يكون اسعد الناس فكل شيء الى زوال ونحن الى تراب ثم اغلق هاتفه، ونظر اليه مستوضحا.
رد الشاب بابتسامة ودودة، بانه الموظف الجديد، ولا يعرف موقعه في المؤسسة.
لاحظ ان المدير لم يطلب اليه مجرد الجلوس، مع انه كان يطمح بفنجان  من القهوة، ورشفة ماء بارد بعد ان جف ريقه من الانتظار لكنه ضغط الجرس فحضرت السكرتيرة  تتراقص امام المدير بحركات مرحة، سألها عن المكان الشاغر فاخبرته بضحكة فاجرة - تحت  بالملفات -  فقال لها بصوت قاطع وحاد كالقاضي الذي ينطق بحكم مؤبد: خذي الشاب الى موقعه فاشارت اليه ان يتبعها.. وطلبت منه ان يستريح بمكتبها .. وما هي الا دقائق حتى انتصب المصعد امامه،  واطل منه البواب، ودعاه الى مرافقته.
هبط  المصعد بالاثنين معاً بسرعة خاطفة،  وهبط معه قلب الشاب وحين توقف قاده البواب الى غرفة رطبة، قليلة الضوء، هي اقرب الى الزنزانة منها الى مكتب موظف محترم  تفوح منها رائحة عفونة الملفات القديمة وفي مواجهته  «حمام ذكوري» ممن يستعمل على الواقف.. هنا يا استاذ  قال البواب.
وبصوت مخنوق سأله عن الموظف السابق، فاخبره  انه أُحيل على  لجنة طبية لاصابته بروماتزم المفاصل. والتهاب حاد في الرئتين بسبب رطوبة المكان وسوء تهويته فاخذ يسأل نفسه هل يبدأ من هنا صعودا الى الطابق الاخير؟ ام ان لجنة طبية بانتظاره ليأتي اخر ويحل محله؟!.......
 

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

مصطفى العوامله18-06-2009

صورتان متفابلتان أخذتا من خلال كاميرتين مختلفتي العدسة والزوايا فإحداهما مقعرة والاخرى محدبة وظهر في اطار كل صورة عدد من الصور الباهتة المكملة للسياق العام للمنظر المطلوب فظهرت صورة الشاب ذو التجربة البكر مكبرة بشكل أظهر المكونات الدخلية للشاب كمااظهرت الصورة الاجتماعية
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.