"محرقة" غزة في ميزان الربح والخسارة

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2009-01-11
1960
"محرقة" غزة في ميزان الربح والخسارة
رنا الصباغ

 

الوفد العربي نجح قبل ثلاثة أيام في استصدار قرار أممي على أمل إطفاء "محرقة" غزة ولجم آلة إسرائيل العسكرية وفتح المعابر, رغم أنف إسرائيل وأمريكا, فضلا عن غياب سورية وتحفظ قطر.

 

لكن هذا الاختراق الدبلوماسي يتطلب معجزة إلهية تترجمه على الأرض وتوقف العقاب الوحشي الذي تنزله عملية "الرصاص المنهمر" على غزة وشعبها الصامد منذ 27/12/,2008 بحجة وقف "إرهاب" المقاومة الفلسطينية المصنفة ضمن القوانين الدولية والشارع العربي بأنها نضال مشروع ضد الاحتلال.

 

فالقرار الأخير لم يصدر بموجب الفصل السابع من الميثاق الدولي, الذي طالما وظفته أمريكا ضد العرب, إذ يجيز لمجلس الأمن اتخاذ تدابير قسرية لفرض تنفيذه. لذلك سيحتاج القرار لأيام من المشاورات المضنية للتوصل الى آليات لتفعيل بنوده, بما فيها انسحاب إسرائيل ووقف تهريب السلاح تحت أنفاق ممر فيلادلفيا إلى القطاع. يزيد من تعقيد الوضع استهتار إسرائيل بالقرار الذي رفضته حماس لأنها لم تكن طرفا في التوصل إليه, دعم أمريكي غير مشروط لإسرائيل, وتكشف عجز النظام العربي أمام الشارع بعد أن ضاعت أدواته الدبلوماسية المؤثرة لحل قضايا الأمة مع غياب "إرادة القرار وقرار الإرادة".

 

وكشفت أيضا الغطاء عن جموع الخاسرين والرابحين مرة أخرى, حسب ساسة, ودبلوماسيين وحزبيين.

 

في ميزان الخاسرين ما كانت تعرف بدول الاعتدال العربي بقيادة مصر والسعودية, وعضوية الأردن. كما خسر حليفهم الفلسطيني محمود عباس, الذي انتهت ولايته في التاسع من الشهر الحالي - رغم أن قرار مجلس وزراء الخارجية العرب الأخير جدّد الاعتراف بشرعيته لحين إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية. في المقابل, سجّل محور الممانعة بقيادة إيران, وعضوية سورية, وإسناد قطر وحماس وحزب الله, سجّل نقاطا على حساب الامن والاستقرار في المنطقة.

 

التوقعات تشير إلى تراجع حماس عسكريا أمام قوّة الآلة العسكرية ويحتمل تجريدها من السلاح, ما سيؤدي إلى قتل روح المقاومة المسلحة تمهيدا لبدء تصفية القضية الفلسطينية. على أن هذه الحركة الإسلامية, التي احتفلت أخيرا بذكرى تأسيسها الواحدة والعشرين, لن تخسر نفوذها السياسي والشعبي في غزة وما وراءها تماما كما حصل مع حزب الله اللبناني عام .2006 وستصبح شريكا سياسيا لدول عربية وغربية عبر صناديق الانتخاب. أما في الضفّة, فسيظل نفوذها محدودا كما هو عليه بسبب سيطرة إسرائيل امنيا على أرض تعتبرها جزءا مما تسميه ب¯"يهودا والسامرا", وبسبب نفوذ السلطة الوطنية الفلسطينية مدعومة بمجتمع أكثر علمانية بعد عقود من خضوعه لسيطرة فتح وفصائل فلسطينية يسارية.

 

- أضاءت "المحرقة" الفرز المؤسف على الساحة الفلسطينية بين غزة "حماسية" وضفة "سلطوية". استسلمت الضفة الغربية بعد قضاء إسرائيل المنهجي على حركة فتح منذ اتفاق أوسلو عام 1993 وشروع رئيس الوزراء السابق آرئيل شارون في تحضير الأرضية لكسر السلطة وكسر مصداقيتها من خلال انسحابه أحادي الجانب من غزة قبل ثلاث سنوات. ذلك الانسحاب كان بداية استحضار استراتيجية الوطن البديل للفلسطينيين بعد تحطيم السلطة وكسر روح المقاومة في الضفة. بان حجم الاستسلام الضفاوي خلال العدوان, إذ نظمت مسيرات مضبوطة, وعملت السلطة المستحيل لمنع رفع أعلام حماس في المظاهرات.

 

- ستظهر الأيام المقبلة أن حماس لم تخسر قيادتها السياسية ونفوذها الشعبي في الخارج نتيجة العدوان الأخير. فقيادتها السياسية مقيمة في دمشق وتتحرك بحرية, مدعومة بحلفاء أقوياء وبخطاب إعلامي مؤثر توفره فضائية الجزيرة القطرية, لا سيما تغطيتها لتفاصيل الاجتياح. كما تحظى حماس بدعم شعبي متنام بين فلسطينيي الشتات الذين ابتعدوا عن فتح خلال السنوات الماضية بسبب الفساد والمحسوبية وفشلها في إدارة معركة السلام مع إسرائيل منذ .1991 تجلّى ذلك في الأردن ومصر خلال اجتياح غزة, إذ طغى الهوى "الحماسي" في شوارع عمان والقاهرة وغيرها من الدول الإسلامية, مدفوعا بدعم غير محدود توفره مظلة جماعة الإخوان المسلمين العالمية وتفرعاتها المحلية واسعة النفوذ.

 

في المقابل, يظهر الرئيس الفتحاوي عباس وحلفاؤه العرب ممن دعموا خيار حل الدولتين الخاسر الأكبر من العدوان الذي سمح لإسرائيل بتحقيق هدفها الاستراتيجي المتمثل بالقضاء على التطلعات الفلسطينية القومية وتصفية القضية سياسيا تمهيدا للحديث عن حلول مبتكرة, خارج الشرعية الدولية. وهكذا بات حلّ الدول الثلاث العنوان الجذاب لعشرات الأصوات السياسية الأمريكية والصهيونية المؤثرة; إسرائيل بجوار ضفة مرتبطة سياسا وأمنيا بالأردن, وغزّة هادئة منفصلة عن الضفة ومربوطة بمصر.

 

من الآن فصاعدا سيكون من الصعب على أي زعيم إسرائيلي قادم, سواء من اليمين, الوسط أو اليسار التراجع عن استراتيجية فصل الضفة الغربية عن قطاع غزة. ولن يستطيع التوقف عن ابتلاع ما تبقىّ من أراضي الضفة الغربية من خلال توسيع المستعمرات واستكمال بناء الجدار الفاصل. في المقابل, ستتنامى ضغوط الشارع والنخب السياسية على زعماء دول الاعتدال العربي, خاصة الأردن ومصر لإبعادهم عن المحور الأمريكي وعن إسرائيل.

 

الأهم أن "محرقة غزة" كشفت حجم مؤامرة تصفية القضية الفلسطينية. فلن يحتاج زعماء عرب بعد اليوم الانتظار لحين دخول الرئيس الديمقراطي باراك أوباما البيت الأبيض بعد تسعة أيام, أو لحين الانتهاء من الانتخابات التشريعية المبكرة في إسرائيل في العاشر من الشهر المقبل, على أمل استطلاع موقف واشنطن السياسي من خيار الدولتين. ف"حل الدول الثلاث" سيكون ضمن ملفات السياسة الخارجية التي ستوضع أمام ساكن البيت الأبيض الجديد.

 

ذلك يستدعي دق جرس الإنذار في فلسطين, الأردن ومصر, وإعادة النظر في الحسابات السياسية لجهة خيار سيفرز تداعيات خطيرة تمس أمنها القومي واستقرار المنطقة.

 

يظل الأردن الحلقة الأضعف. فعمقه الاستراتيجي في العراق وفلسطين مكشوف. قد تستطيع مصر ابتلاع "غزة" من دون عوارض عسر هضم تذكر سوى الخوف من تنامي النفوذ الإسلامي عبر الحدود. لكن الضفة ستعلق في حلق الأردن وتشكّل بداية تضييق قنوات التنفس, في بلد نصف سكانه من أصول فلسطينية, وذلك في حالة أصرّت إسرائيل وبعض الجهات الفلسطينية المستفيدة على هذه التخريجة.

 

سيكون من الصعب تراجع الأردن "فعلا وليس قولا" عن معاهدة السلام مع إسرائيل أو عن تحالفه الاستراتيجي السياسي والعسكري مع أمريكا الذي تعمق منذ بدء الحرب العالمية على الإرهاب عام .2001 فتلكم خطوط حمرا لصانع القرار.

 

كما أن الأردن لا يمتلك مقومات اقتصادية تعينه على تحمل الضغوط السياسية التي ستمارس عليه من الآن فصاعدا. فعمان تعتمد على مساعدات اقتصادية أمريكية مؤثرة. وعلاقة عمان مع إسرائيل تشكل أحد مفاتيح ماسورة المساعدات الأمريكية ومن ورائها الغربية والخليجية. في البال ما حصل عام 1991 عندما دفع الأردن غاليا ثمن إصراره على الحل الدبلوماسي, الذي صلّبه موقف شعبي رافض للانضمام إلى الحلف العسكري الدولي بقيادة أمريكا لإخراج العراق من الكويت. من تبعات تلك الوقفة, عزلة سياسية واقتصادية خانقة على أيدي حلفائها الغربيين والعرب. لم يتغير الحال إلا عندما وقعت عمان معاهدة سلام مع إسرائيل عام .1994 لكن منعة الجبهة الوطنية كانت العامل الأساس الذي سهل مهمة رأس الدولة في عملية المناورة والصمود أمام الضغوط السياسية والاقتصادية.

 

جبهتنا اليوم ليست بالقوة ذاتها التي كانت عليها في التسعينيات, بعد أن تراجعت الحكومات المتعاقبة عن مسار العودة نحو الديمقراطية عام 1989 بسبب الخوف من نفوذ الإسلاميين ومعارضتهم للمعاهدة.

 

إزاء المخاطر المقبلة لا بد من مواصلة سياسة وضع رجل في "الشرق" وأخرى في "الغرب", وتعزيز الانفتاح الأخير على مكونات الطيف السياسي كافة لتوسيع قاعدة الإسناد الشعبي للموقف الرسمي, الذي لم يكن مثار تشكيك في العدوان الأخير مقارنة مع ما حدث في مصر.

 

لن يأتي الدعم الشعبي إلا عبر إنضاج "طبخة" مشروع الانفتاح من خلال إشراك الأحزاب السياسية العاملة بما فيها الإخوان المسلمون, والنقابات المهنية المسّيسة, والمجتمع المدني, والإعلام في معركة الدفاع عن الوطن.

 

ولا بد من مواصلة تنويع التحالفات الدبلوماسية التي بدأت قبل خمسة اشهر وساهمت في كسر الجليد مع سورية وقطر ومن ورائهما إيران, مع الإصرار على البقاء ضمن مسافة واحدة من مكونات الشعب الفلسطيني كافة.

 

التعديل الحكومي المتوقع قريبا يفترض أن يساهم في تعزيز الجبهة الداخلية ويعظم انجازات الحكومة. لكن لا بد أن يكون التعديل مقبولا شعبيا ويطعم وزراء الخدمات وغالبيتهم تكنوقراط, بوزراء سياديين يتمتعون بوزن سياسي داخلي بهدف مساندة صاحب القرار الذي يدير شبكة العلاقات الخارجية المؤثرة في مواجهة تداعيات ما بعد غزة.

 

فالأردن الرسمي يقع بين مطرقة إسرائيلو-أمريكا, وسندان مصر والسعودية. وهو ضعيف اقتصاديا, ومشدود داخليا. لن يستطيع أن يفرض شروطه أو يتحدّى إسرائيل وأمريكا. لكنه يستطيع الصمود ومقاومة الضغوط السياسية بصلابة أكبر من خلال موقف شعبي قوامه أبناء البوادي والمدن والمخيمات يسند الملك عبد الله الثاني, الذي أعلن للمرة المليون هذا الأسبوع رفضه للخيارات المشبوهة, تحت أية مسميات, بعد الانتهاء من ملف غزة.0

rana.sabbagh@alarabalyawm.net

 

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

ماهي فضائيتك المحلية المفضلة:

  • التلفزيون الاردني
  • رؤيا
  • الحقيقة الدولية
  • الاردن اليوم
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.