التسول بالكلمات والاتجار بالمبادئ!

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2013-11-26
1339
التسول بالكلمات والاتجار بالمبادئ!
بسام الياسين

  وراء كل عظيم امرأة، مقولة اشتهرت، وذاع صيتها، الى ان اكتشف الناس ان العظيم سياسي فاسد والمرأة التي تقف خلفه راقصة لا تجيد سوى التعري والغنج. وعملا بالقاعدة الفقهية «لا ينكر تغير الاحكام بتغير الزمان». سقطت تلك المقولة وحل مكانها «وراء كل سياسي فاسد: مثقف فاسد وكاتب اكثر فسادا».

 *** المستجدات العصرية، وما تخللها من انهيار اخلاقي، وانعطافات دراماتيكية حادة في السياسة والثقافة والحياة الاجتماعية، وما استتبع ذلك من انحطاط سياسي، وركود ثقافي و فلتان اجتماعي، وضعف في المناعة الاخلاقية، وفقدان الحصانة الوطنية والقومية، دفعت السياسي الفاسد للبحث عن كاتب فاسد لحماية ظهره، وتلميع صورته، وستر عوراته، وتبرير زلاته، ومهاجمة خصومه ضمن صيغ تلفيقة لا يقدر عليها سوى كذاب محترف

*** انقلبت المعادلة الاصلاحية. وبدلا من وضع المشكلات على المشرحة لمعرفة اسبابها ومواطن الخلل فيها لابتكار الحلول الخلاقة لها على المديات القصيرة والمتوسطة والبعيدة. هذه المشكلات جرى انكارها، والتحايل عليها حتى تورمت ثم تتسرطنت، فاستحال علاجها. هنا برز دور الكاتب الفاسد لتبرير القصور، وقلب الحقائق من خلال تزوير الواقع حتى وصلت الامور الى نقطة اللاعودة. وتكريما لدوره، تم رفع مقامه وتضخيم راتبه واصبح من المقربين الثقاة.

*** هذه اللعبة الدنيئة قلبت دور المثقف من صوت عال كاشف للحقيقة، وضمير حي لمجابهة السلبيات، ومنارة شامخة تطلق اضواءها في الاتجاهات الاربع لارشاد التائهين في بحر الظلمات، والتائهين في متاهة الصحاري القاحلة الى دمية تعمل على الريموت كنترول و احيانا توجه بالآلو او برسالة نصية، و نقلت المثقف من عقل تنويري الى عقل ظلامي، ومن انسان لماح الى شخص رداح، و حولته من منصة توعوية تعبوية ضد الطغاة الى اداة استبدادية بيد الطغاة، ورمز عدواني فضائحي. انها لعبة قديمة متجددة منذ ان وقف شاعر متكسب على باب السلطان يمتدحه بما ليس فيه، ويهجو اعداءه باسباغ نقائص عليهم ليست فيهم. فالسلطان يعلم ان الشاعر كذاب، والشاعر يدرك في قرارة نفسه انه منافق ومتكسب، لكنها اللعبة الاعلامية التي لا تكتمل دورتها الا ضمن دائرة نفاقية «سياسي ممدوح، ومثقف طبال».

 *** الاستجداء، والاستخذاء، والوقوف على الابواب تطور و اصبح اكثر عصرنة. وغدت الانتهازية قيمة ثقافية، ومدرسة لها روادها يتسابق على الالتحاق بها المستوزرون، وصائدو المناصب، و قناصو الفرص وطالبوا الصرر، والباحثون عن الجوائز. انحطاط ثقافي و قيمي نقل الكتابة من خطاب ذي بعد انساني وقومي ووطني الى خطاب انشائي خطابي خياني، يحمل اشارات مخجلة على تحالف المثقف مع السلطوي، من خلال توظيف المال الحرام، والفكر المعلب لتبرير اخطاءه وخطاياه، ومقاومة الرأي الاخر، وقمع المعارضة وتضليل الناس، وطمس الحقائق.

 *** السياسي الفاسد يدفع من خزينة الدولة - جيوب المواطنين -. لقلم مأجور ذخيرته حبر مغشوش، وضمير معروض للبيع، وذمة مطاطية، و طاحونة هوائية تحركها رياح المصلحة الذاتية ليصبح في ما بعد مطحنة شرايط تلتهم كل شي وتطحن كل شيء لتحويله من خرق بالية الى عهن منفوش.لذلك فان الابتذال الطافح على السطح في القيم والسلوك، والهوة الواسعة بين الحقيقة الصارخة، والخطاب التافه، بضاعة تم تسويقها على ايدي من استأصلوا ضمائرهم، والقوا بها طعاما للكلاب لزيادة نبرة نباحها وتسعير سعارها.

 *** في هذا المقام، تستدعي الذاكرة اشهر خائن عرفه التاريخ «يهوذا الاسخربوطي» الذي باع سيدنا المسيح بقليل من الفضة ثم شنق نفسه بحبل اشتراه ب «فضة الخيانة». الراقصة والسياسي ... الكاتب والسياسي ...الطبال والسياسي ... الزمار و السياسي. افلام واقعية دائمة التجدد منذ «يهوذا» حتى اليوم. الامام احمد بن حنبل رجل المبادئ، والعقيدة الصافية، ما زال يحمل آثار سياط التعذيب، وكدمات الركل بالارجل، وسحجات الضرب بالايدي لرفضه فتنة ثقافية، وبدعة مستحدثة حول «خلق القرآن» بينما اليوم يدافع المتثاقفون عن الفتن والبدع من دون خجل بشرط الدفع قبل الكتابة.

 *** منظر المذهب الحنبلي الامام الجليل ابن حنبل، ظل صامدا في مواجهة ثلاثة خلفاء طغاة، وملاحقة عسسهم، وتآمر مثقفي عصره عليه. اولئك الذين وقفوا الى جانب الباطل لقاء شرهات مالية ومناصب وظيفية. ذات الصورة نراها اليوم بعد عدة قرون، اذ ان كتاب التدخل السريع، و انصار التمويل الاجنبي ودعاة التطبيع وفلاسفة تبرير الامر الواقع بكل سيئاته وسوءآته، ينعمون بالاعطيات والهبات والفرص الذهبية فانطبقت عليهم القاعد الذهبية: "ان اسوأ ما في الكتابة التقاء الابتذال بالضحالة". 

*** بدهية يعرفها الضالعون في الثقافة والراسخون بالعلم ان الانسان مهما بلغ من الذكاء والدهاء، فان لغة جسده تفضحه، وزلة لسانه تكشفه، وانفعالاته تنطق بالمخبوء في داخله. كذلك الكاتب الفاسد يفضحه حبر خيانته و حبكة كتاباته في مهاجمة الهم الوطني وتسخيفه، وتمجيد مساوئ السلطة. في ظل هكذا ثقافة موبؤة يكمن سر الخراب حين تصبح الكلمة بقبضة صاحب الشان، وحامل السوط والصولجان. وهذا ما يثبت بالقطع اننا مازلنا نعيش في عهود الانحطاط والعقم، وان مراكبنا لم تغادر شواطئ المياه الاسنة. 

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.