وصفة رئاسية

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2013-12-24
1548
وصفة رئاسية
خيري منصور

 في حوار أجري مؤخراً مع د . بطرس غالي بمناسبة بلوغه التسعين، قال إن بلاده تحتاج إلى رئيس تتوافر فيه صفات عدة منها القوة، واحتمال التضحيات الشعبية، إضافة إلى عدم اكتراثه بالتقلبات في المزاج الشعبي . فهل كان د . غالي سيحدد هذه المواصفات لرئيس مصر القادم لو أنه لايزال على قيد الأمانة العامة للأمم المتحدة؟ ربما!
فالرجل الآن يتحدث بصفته مجرد مواطن مصري، يرى مصلحة وطنه أولاً وربما عاشراً، وهذا من حق أي دبلوماسي عريق يخشى على مستقبل وطنه، ورغم أن د . غالي شخصية إشكالية إلا أن له مواقف ينبغي الاعتراف بها، وقد يكون دفع ثمنها خصوصاً بعد مجزرة قانا، وحين يحلل المراقب هذه المواصفات التي يقترحها د . غالي لرئيس مصر القادم، يجد أنها أشبه بثلاثة أقانيم، لكنها غير منفصلة عن بعضها، فأقنوم القوة هو شرط أقنومي التماسك وعدم الاكتراث بالتقلبات الآنية للمزاج الشعبي . وقد يرى البعض في هذه الشروط التي يجب أن تتوافر في زعيم منتظر، مقدمات لديكتاتور خصوصاً ما يتعلق بعدم الاكتراث بالتقلبات في المزاج الشعبي، لكن الحقيقة ليست بهذا التبسيط والاختزال، وخيارات الشعوب عندما تمر بأزمات طاحنة ليست محصورة في ثنائية الزعيم الديكتاتور والرئيس الأقرب إلى المدير العام المنوط به تصريف الأمور فقط .
هناك بلدان غير مصر لم يكن بالإمكان خروجها من عنق الزجاجة برئيس رخو ومنصبه فضفاض عليه، فروسيا يلتسين ليست روسيا بوتين، واشتراط القوة والصلابة لرئيس ما لا تعني التنازل عن الإرادة الشعبية لمصلحة زعيم فرد مادام هناك صناديق انتخابات .
وفي جميع بلدان العالم لا تحتفظ ذاكرة الشعوب برؤساء سابقين كما لو أنهم متساوون كأسنان المشط، وعلى سبيل المثال فإن فرنسا ديغول ليست فرنسا ساركوزي أو حتى ديستان، وهذه ليست مفاضلة بقدر ما هي مقارنات تحكمها ظروف موضوعية، ولدينا الآن مثال راهن هو رحيل مانديلا الذي لم يعامله شعبه وبقية العالم كمجرد رئيس سابق، فهناك أفراد يفيضون عن مساحة المناصب الرسمية، كما أن هناك رجالاً يتجاوزون حاصل الجمع لكل المناصب التي شغلوها، إما لأسباب وطنية تتعلق بمعارك الاستقلال وإما لأسباب ذات صلة بالانعطافات الحاسمة في تاريخ الشعوب .
وما دمنا بصدد الحديث عن مصر وعن الرئيس المنتظر تبعاً لمواصفات د . غالي على الأقل، فقد جربت مصر أنماطاً عدة من الرؤساء والحكام، وهناك مجلد بالغ الأهمية صدر قبل أعوام في القاهرة عمن حكموا مصر منذ مينا حتى مبارك ويجد قارئ الكتاب أن الفوارق لم تكن عابرة بين حاكم وآخر، ويكفي أن نتذكر من تاريخنا المعاصر عبدالناصر الذي لم يغادر الذاكرة الشعبية بعد عقود عدة من رحيله التراجيدي، فقد بدت موجتان ثوريتان تعاقبتا في مصر كما لو أنهما قيامة سياسية وقومية لهذا الزعيم رغم كل ما تعرض له إرثه السياسي من تفكيك ومحاولات إعادة الإنتاج .
ما قاله بطرس غالي قد يردده ملايين المصريين، فالحاجة في مصر الآن إلى رئيس قوي ومتماسك وجسور شرط أن تكون حصته الكبرى عبر صناديق الانتخابات .

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.