الجرح!!

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2009-07-19
1543
الجرح!!
بسام الياسين


نهض من نومه متثاقلا، معكر المزاج. فاتر الهمة. فاقد الرغبة في عمل اي شيء.  دس يده تحت المخدة. تناول سيجارة وطنية  رديئة، ثم شرع ينفث  دخانها بكثافة، كأنه  يقيم جداراً عازلاً  بينه وبين العالم.
عادت به الذاكرة لثلاث سنوات خلت، عندما طلب منه مدير المدرسة العودة للبيت لامر طارئ. وحين  وصل وجد  جمهرة من اقاربه  يتحلقون في ساحة البيت تكسو وجوههم مظاهر الحزن. وسمع اصوات النساء المتشحات بالسواد يولولن في الحجرة المقابلة. التفت احدهم وقال لمجاوره: هذا ابنه البكر، كان الله في عونه، انه ما زال صغيرا على حمل اعباء الاسرة. فالمرحوم مات معدما حتى ان عمال الدفن سامحوه باجرتهم. رد عليه امام مسجد الحي - وحدوا الله يا جماعة - «وما من دابة الا على الله رزقها»  و«رزقكم في السماء وما تودعون».
كآبة  سوداء، ذكريات مالحة عصفت به، خاصة عندما اهالوا التراب على ابيه، وعاد وحيدا من المقبرة، رغم كثرة المشيعين والاقارب.
صدمة اخرى لم تكن على اجندة توقعاته، زواج  امه بعد انتهاء فترة «العدة»  مباشرة، ومغادرتها المنزل مع رجل غريب الى مدينة مجهولة.
ظروفه القاسية، اجبرته على ترك المدرسة، والعمل في ورشة زوج عمته،  الرجل الذي تحكمه خصلتان: البخل  الشديد، وبذاءة اللسان، تمنى آنذاك لو انه يملك  قوة اسطورية، ليحطم  الكرة الارضية تحت قدمية مثل بطيخة عفنة، تشي قشرتها الخارجية  الخضراء اللامعة  عكس ما بداخلها  من عفونة.
لم يصحُ من تداعياته الا على صوت اخته الكبرى، تذكره بتأخره عن الورشة، وشراسة زوج عمته «المعلم» وسلاطة لسانه. غادر البيت بخطى متثاقلة  وما ان دخل باب الورشة حتى استقبله  المعلم  بوابل من الانتقادات، مصحوبة بزخات عنيفة من الشتائم. ومما زاد في المه، ضحكات الزبائن،  وشماتة زملائه  في العمل عندما  قال له:  ان نادر  الذهبي جلس على مكتبه في رئاسة الوزراء واتخذ عدة قرارات برفع البنزين، وتقديم المعونة للاحزاب، وتلبية مطالب النواب وحضرتك تجر جسدك  مثل بغل ينوء بثقل خيباته، ويتباهى بان خاله الحصان.
فكر في ان يسحق راس المعلم بشاكوش كان في متناول يده، لكنه تراجع حينما تذكر اخته واخوية الصغيرين. بلع الاهانة وانخرط في اصلاح احدى السيارات وبحركة غير محسوبة  بسبب شروده، جرح  يده جرحا بليغا، فتنحى في زاوية بعيدة، محاولا وقف النزف وهو يتلوى من الالم.  شاهده المعلم وظن انه يتهرب من العمل  فصرخ عليه «يا حيوان.. الدواب تعمل باكلها، وانت تفرك يديك كأنك فقدت اسطولك التجاري في عرض البحر،  او خسرت ملايينك في البورصة.
كظم الشاب غيظه، وغادر الورشة الى البيت،  والدم يزرب من يده.
شهقت اخته عندما شاهدت الدماء  على قميصه  وبنطاله، والصفرة تكسو وجهه المرهق، فقامت على الفور بتطهير الجرح  وتضميده، وحاولت مواساته الا انه القى بجسده المنهك فوق الفراش وغط في نوم عميق.
حلم تلك الليلة ان رافعة ضخمة من تلك التي تستعمل  في بناء الابراج  العالية في الدوار السادس بعمان  سقطت  على رأس المعلم، فنهض من النوم تتنازعه مشاعر متناقضة الفرح بنهاية ظالم والحزن عليه كانسان، وفيما هو يتخبط في مشاعر شق  سكون الليل،  آذان الفجر، رخيماً ندياً، فشعر بالسكينة تتسلل الى قلبه. فقام وتوضأ وصلى وبعدها قرأ ما تيسر له من القرآن الكريم.
عند الظهر ذهب  لاداء صلاة الجمعة في مسجد الحي، تناولت الخطبة الرفق  بالحيوان وكم تمنى ان تكون عن الرفق بالانسان. ولما انفض المصلون تقدم نحو الامام، صافحه بحرارة واحس برغبة جارفة في تقبيل يده الا انه سحبها برفق وقبل رأسه بحنان ابوي.
وبادب واحترام شديدين  سأله الشاب عن الحكمة من خلق الحيوانات فاجاب: يا بني انها مخلوقات سخرها الله لنا لتكون مطايا للركوب، ووسائل للحرث، وفيها منافع كثيرة. فرد الشاب عليه: الم تنته هذه المهمات يا سيدي بعد اختراع حافلات الركوب،  وتراكتورات الحراثة. كتم الشيخ ضحكته وقال: لا يا ولدي، تلك حكمته تعالى: «ويخلق ما لا تعلمون». اكتست سحنة الشاب التي تضافرت على نسج ملامحها  الالم والفاقة بالصفرة،  ولمع في عينيه شعاع غاضب، وتساءل  بقهر ووجع: اليس الظلم الاجتماعي،  والاضطهاد السياسي، والفساد الاخلاقي  عوامل رئيسية في تقويض الدول؟ ولماذا  يستغل اصحاب المال وارباب العمل اكتافنا للركوب، وظهورنا للحراثة، وارواحنا للاهانة بعد ان اصبحنا البدائل للحيوانات، فيما خيول الاغنياء المؤصلة تأكل الفستق المعجون  بالشيكولاته وتشرب الماء المعدني المحلى بالعسل، ونحن نعيش على الكفاف، ونموت بالتقسيط،  وقططهم المدللة  تتثاءب في السيارات الفارهة بينما نقاتل للحصول على مقعد في باصات النقل العام، وكلابهم المعطرة تقضي لياليها في مخادع الازواج «الفالتون» وكأنها تحمل اذناً شرعياً بذلك، اما امثالنا فلا يعرفون المرأة سوى ليلة الدخلة.
وقبل ان ينهي الشاب كلامه، اختفى الامام كلمح البصر، وكأن ريحاً قوية حملته وقذفته للبعيد، فتمتم وكأنه يحدث نفسه: يبدو ان شيخنا الجليل يكره الفلسفة، وعلم المنطق ويؤمن  بأن «مَنْ  تمنطق فقد تزندق».
 

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

ابو منصور21-07-2009

اخي ابو محمد ، الف تحية لك على هذه اللوحة الادبية الانسانية الناقدة ، وعلى جمال ودفء الوصف لتفاصيل الحياة فيها الذي يجعل القاريء يشعر وكانه يعيش الحدث الموصوف ! اعجبني الاستخدام الرشيق لكلمة " يزرب" في جملة – والدم يزرب من يده – وهي كلمة شاع استخدامها ككلمة دارجة (وهي بالاصل ع
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

ابو منصور21-07-2009

اخي ابو محمد ، الف تحية لك على هذه اللوحة الادبية الانسانية الناقدة ، وعلى جمال ودفء الوصف لتفاصيل الحياة فيها الذي يجعل القاريء يشعر وكانه يعيش الحدث الموصوف ! اعجبني الاستخدام الرشيق لكلمة " يزرب" في جملة – والدم يزرب من يده – وهي كلمة شاع استخدامها ككلمة دارجة (وهي بالاصل ع
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

مصطفى العوامله20-07-2009

تنقل رشيق بالكلمة والصورة الحية المتخيلة في ذهن الكاتب ضمن مسؤلية المساق المطلوب للاحداث الدراميةالتي تنتقل من مخيلة الكاتب الى مخيلة المتلقي (القاريء)بمهارة وابداع كبيرين صور خلالها واقعا معاشا يشاهده الانسان العادي ويمر عليه دون انتباه وكبر الصورة للوصول الى لفت انتباه
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.