العم "غوغل"

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2014-01-31
1203
العم
محمد ابو رمان

 تمكّنت وزارة التربية والتعليم، بالتعاون مع الأمن العام، من إيقاف مسلسل تدهور هيبة امتحان الثانوية العامة "التوجيهي"، عبر وقف ظاهرة اقتحام القاعات وانتهاك حرمتها من قبل الأهالي والمافيات المستفيدة. 

لكنّ محاولات الوزارة كانت أقلّ جدوى في مواجهة الاقتحام التكنولوجي للقاعات، عبر التقنيات الحديثة؛ مثل الـ"واتس آب"، و"آي فون" والخلويات. ووصلت فنون التحايل والغش والخداع لدى الأهالي والطلبة إلى مرحلة متقدّمة جداً، صدمت وزير التربية نفسه، الذي يصف هؤلاء الطلبة بحملة "الأسلاك الناسفة"!

ثمّة أبعاد مختلفة لهذه الظاهرة؛ بعضها قانوني، والآخر ثقافي، والأهم هو الأخلاقي! إلا أنّها في جوهرها تلفت الانتباه إلى إشكالية أخرى في مجتمعاتنا اليوم، وتحديداً مجتمعنا الأردني، وتتمثّل في صيغة التعامل مع التقنية التكنولوجية المتطورة، ولاسيما تلك التي باتت جزءاً بنيوياً من مفهوم العولمة ذاته. فهذه الثورة التكنولوجية بدأت بالفعل تمارس النحت والتجريف في ثقافتنا الاجتماعية واليومية، ودخلت إلى مصطلحاتنا اليومية!

التوظيف السلبي هو المهيمن على علاقتنا مع التكنولوجيا الجديدة؛ سواء في الغش أو الاستهلاك أو حتى استخدام الإنترنت للتسلية والدردشة وإضاعة جزء كبير من الوقت على ما لا ينفعنا ثقافياً أو اجتماعياً أو حتى حضارياً! المستفيد الأكبر من هذا الإقبال الشعبي هي شركات الاتصال والشركات المنتجة للأجهزة المرتبطة بها. 

وقد وصل حجم الاستيراد والإنفاق المجتمعي على هذا القطاع مستوى فلكيا متضخما، من دون وجود "كوابح" أو "إشارات إرشاد" للمستهلك من قبل الإعلام أو علماء الاجتماع والاقتصاد. وبدلاً من أن تكون هذه الثورة نعمة، أصبحت في جزء كبير من تفاعلنا معها نقمةً حقيقية وكبيرة على المجتمع والأسر، وأضافت نمطاً استهلاكياً مشوّهاً آخر إلى ما نعانيه أصلاً!

ذلك لا يعني، بأيّ حال من الأحوال، إعلان العداء والطلاق مع العالم التكنولوجي. فالمطلوب أن نبني الثقافة المجتمعية السليمة للتعامل معه، وأن نطوّر استراتيجياتنا التربوية والتعليمية والأكاديمية لإدماج هذه التقنية بصورة صحيحة في حياتنا، وترشيد سلوكنا الاستهلاكي في التعامل معها لوضع المعادلة الصحيحة المطلوبة. يمثّل "غوغل" اليوم نقطة تحول في مسار البشرية نفسها؛ إذ نقل محتوى المعرفة وأدواتها إلى مستوى مختلف تماماً عن المرحلة السابقة. وانعكس ذلك على مختلف مجالات الحياة، ومن بينها البحث العلمي والأكاديمي والمقالات الصحفية والثقافة العلمية والإعلامية والعامة، وغيّر من مفهوم الثقافة، وأحدث إرباكاً في التعامل مع تعريف المثقف، وما يحمله من صورة ذهنية تقليدية في المجتمعات العربية!

أصبح بإمكانك اليوم أن تحصل على عوالم المعرفة بكبسة زر على "غوغل"، بدلاً من أن تعاني أشهراً في المكتبات العامة والخاصة. ويمكنك أن تستبدل الكتاب الإلكتروني بالكتاب المطبوع، وأن تقرأه بصورة مريحة عبر "آي باد"، وأن تعود إلى أرشيف الصحف والأخبار والمجلاّت من دون أن تصاب بالربو من غبار المجلّدات في المكتبات العامة!

مثل هذا "الفتح المعرفي" يتطلب جهوداً عميقة من علماء الاجتماع والأكاديميين لتقنين قيم وأسس التعامل معه. فهو بالرغم مما يمنحنا إياه من ثروة عظيمة، إلا أنّ جزءاً كبيراً من استخدام طلبتنا وباحثينا له يذهب بالاتجاه الخاطئ أيضاً؛ إذ لاحظت أنّ 90 % من الأبحاث والتقارير التي وصلت إليّ من الطلبة، خلال تدريس أحد المساقات، في المراحل المتقدّمة، هي عبارة عن نسخ من "غوغل"، من دون أي جهد بحثي ومعرفي، وربما من دون أن يكلّف الطالب نفسه عناء القراءة! في الخلاصة، العالم التكنولوجي والإلكتروني، كما وصفه ستيف جوبز، مؤسس شركة "أبل"، غيّر وجه التاريخ، ويمثّل أحد أهم التحديات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية لنا اليوم. وهو يقع في مرحلة متقدمة، لكنّه تحدٍّ ذكيّ يتسلل إلينا ويصبح جزءاً من حياتنا من دون أن نعاين تجلياته وتداعياته بصورة مباشرة! - 

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.