العبث بالمستقبل وصناعة الزعيم العربي

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2014-02-04
1518
العبث بالمستقبل وصناعة الزعيم العربي
بسام الياسين

 يتدفق الزمن كالسيل الجارف،مُحدثاً تغييراً عميقاً في حياة الامم،وقد تباينت نظرة الشعوب ازاءه ،لكنها اجمعت جميعها على وجوب تركيز النظر على المستقبل، وتسخير العلم لتسجيل انجازات هائلة ،وترك بصمات معرفية وعلمية و ثقافية للاجيال اللاحقة،من دون اسقاط تراث الماضي والتعامل مع الحاضر بواقعية و موضوعية.ما يثير الانتباه،ويلفت النظر ان العقل العربي طغى عليه التعلق بالماضي،حتى وقع في اسره،و اصبح سجينه،وبات يرى في ماضيه الغابر مستقبله القادم.ففي حين تقيس الشعوب زمنها بالكسر العشري من الثانية بادق الساعات الرقمية،بينما نعتمد الساعة الرملية،فلا اهمية للزمن عندنا،لان جُلَّ اوقاتنا نصرفها بالجدل العقيم لا العمل المنتج. 

*** اخذ العالم العربي اخذ بالتراجع قياساً بالحضارات الاخرى.فهو يعيش الالفية الواحدة والعشرين، في ازمات خانقة، تلتف حول عنقه حتى تكاد ان تخنقه.انحدار اخلاقي،وتفكك سياسي،واحتراب مذهبي،توازيها مشكلات اقتصادية و ديمغرافية وهجرات متتالية،في ظل تتنامي هويات فرعية،وتناسل جماعات دينية متعددة ترتبط سياسيا ببلد المنشأ،و تُفصّل ديناً بما يناسب مقاسها.عوامل ضاغطة تظافرت لتحول الوطن العربي الى جهنم دنيوي.ما دفع شريحة واسعة من الشباب في التفكير بالهجرة وركوب زوارق الموت لهذه الغاية. 

*** إنكار هذا الواقع الجهنمي،او التنكر له غباء يرتقي صريح.لهذا صار التغيير ضرورة ماسة،و اولوية قصوى لهذه الامة التي انحدرت للحضيض،تلك التي كانت "خير الامم".فالانبياء الذين هبطوا على ارضنا، والمصلحون الذين انتشروا بين ظهرانينا، كانت مهمتهم الاولى تغيير ماهو قائم والارتقاء به. وكما ان لكل شيء معوقات كذلك للاصلاح عوائقه القيميه والفكرية والثقافية،وليست اقتصادية فحسب.فها هي دول الخليج مُترعة بالمال لكنها دول استهلاكية،مفلسة علمياً، وتفتقر للتاثير الحضاري في المجتمع الانساني،اذ انها رغم الثروات الخرافية لا تستطيع انتاج بطارية هاتف محمول بحجم زر قميص.

*** الاوروبيون انتبهوا للبعد الزمني في حياة الانسان،و اهمية إعمال العقل البشري،ودور الصناعة في تطوير الحياة وتسهيلها،خاصة بعد ويلات الحرب العالمية الثانية، وما خلفته من (20) مليون قتيل،وما سببته من دمار هائل للمصانع والمزارع، بسبب حماقة قياداتهم آنذاك، وجنون عظمة زعماءهم الدمويين،امثال فرانكو وهتلر وموسوليني وستالين.فقاموا بثورات اصلاحية،شيدوا على انقاض الانظمة الشمولية انظمة ديمقراطية يسودها العدل. 

*** عيب الانسان العربي ان عقله الباطن مازال مسكوناً بالصنمية الشخصية التي هي امتداد لعبادة الاصنام ،و اسباغ هالة من القداسة على الزعامات، رغم ان سيدنا ابراهيم و محمد عليهما السلام،حطما الاصنام،وكفّرا اتباعها،فهذه العبادة مخالفة للطبيعة البشرية،ومضادة للفطرة الانسانية.ورغم المعرفة اليقينية بخطورة هذا النوع من العبادة،وآثارها المدمرة فان العقل العربي رمى عصا الحكمة خلف ظهره،واتبع هواه بكل ما فيه من تخلف وعبودية واستبداد.و اعطى شيفرة خريطته الجينية لاعدائه من صهاينة و امريكان. 

*** مفتاح الخارطة العربية،سلطة الحاكم الصنم،القائد الرمز، و للاسف فان خيوط هذه السلطة ممسوكة بالخارج تحركها كيف تشاء مثل مسرح الدمى،وما يدمي القلب عدم وجود دولة عربية تملك قرارها.و لإعطاء الشرعية للنظام يجري تلميع الحاكم،و الايحاء بانه معصوم من الاخطاء،ومُنزه عن الخطايا،وتقديم القرابين له،والطواف حوله.تماماً كأسطورة جلجامش السومرية القائلة ان نصفه إله.هنا مكمن الخطر والفزع في الموضوع،حيث بلغ التملق للزعيم مستويات فاضحة من الافراط بتمجيده،وتفّوق خصاله،و فرادة شخصيته،ونقاء طينته،ولتثبيته بالذاكرة الجمعية،على الجميع رفع صوره،وحشر اسمه في كل خطاب،وضخ الاغاني التي تحكي فروسيته. 

*** هذه المهمات القذرة، يقودها اعلام خبيث مبرمج،و اعلاميون فاسدون من فرقة "المنافقة" التي لا ترعوي عن بيع نفسها بقليل من فضة، و لا تخجل ان تردد ما يُتلى عليها كببغاوات في اقفاصها،فاحلامها لا تتعدى حفنة من علف.رغم علمهم ان عصر الحاكم الاسطورة انتهى،ودخلنا زمن الحاسوب الرقمي،والصاروخ العابر للقارات،والعلاج بالخلايا الجذعية،بينما ظلت لعبتهم القديمة،لعبة تسويق الحاكم الذي سينقل شعبه من الفقر للرفاه،ومن القهر للجاه،مع معرفة الجميع،انها لعبة اعلامية مفضوحة، وبضاعة فاسدة لا تجد لها زبون. 

*** الاعلام العربي بعامة،والمصري بخاصة بلغ من الاسفاف والانحطاط،درجة غير مسبوقة في تزييف صورة البطل،وفبركة القصص البطولية حوله،لشحذ الخيال الشعبي،كاننا مازلنا في زمن الحكواتي الذي يحكي عن بطولات عنترة العبسي الذي يهزم جيشاً من الفرسان وحده وياسر قلوب العذارى برجولته.ولا عجب ان تنبري صحيفة محترمة مثل "الفايننشال تايمز" لتختصر المشهد برمته بالقول:ان ابواق الاعلام المصري تصدح للرئيس المنتظر "السيسي" في موجة من الاضطراب العقلي الجمعي.

*** "كل المواصفات المطلوبة بالرئيس تنطبق على المشير السيسي" هذا ما قاله عمرو موسى،فيما يقول الكاتب الكبير كمال الهلباوي المنشق عن الاخوان المسلمين :"السيسي فرض نفسه زعيماً جديداً،مكان الزعامة الشاغرة لعقود سابقة ".هذا القول يشبه تماماً ما قاله قبل الف عام ابو العتاهية شعراً بالخليفة المهدي مقابل كيس من ذهب بعد مبايعته خليفة على المسلمين بقصيدة تقطر نفاقاً :" اتته القيادةُ منقادةٌ / اليه تجرر اذيالها"...."ولو رامها احدٌ غيره/ لزلزلت الارض زلزالها".الصورة المغايرة لأبي العتاهية كانت للشاعر بشار بن برد الذي اختلف مع الخليفة ذاته،فامر بقطع راسه. 

*** الاكثر نفاقا ماقاله عالم الفراسة المصري " عمر جرانة": ان السيسي قائد خير اجناد الارض،فهو ذو عقلية تحليلة خارقة لا يمكن خداعه،وله قدرة على التنبؤ والخيال،جبهته عريضة تدل على ذكاء مفرط وتفكير عميق.اما وجهه فهو مُدور مثل "رغيف العيش" ما يعني انه طيب القلب وحنون.بينما الاكثر كذباً خبير الصوت محمد زكريا حيث استنتج من نبرات صوته انه غاية في الدهاء من دون خبث،ويتمتع بكاريزما هائلة،وقدرة غير عادية على تحريك الجماهير لتحقيق الاهدف القومية .اما الافظع منهما في الجمع بين النفاق والكذب كان العالم الفلكي المشهور احمد شاهين حين نقل ما تقول الافلاك والنجوم :ان السيسي شخصية وثابة محلقة،اكثر الاشياء وضوحاً فيه "الانا العليا" فهو يعرف من هو،ويعرف ماذا يريد...انه رجل الساحة وقت الحروب والزلازل والكوارث ويضحي بنفسه كالقديسين لانقاذ الاخرين. برجه التنين الذي معظم مواليده من القادة العظام. 

*** الحق اقول، ان افضل ما قاله السيسي نفسه عن نفسه : ان سيدنا محمد صلوات الله عليه هو قدوته. ولا احد يدري،ان كان السيسي يدري او لا يدري ان الرسول كان يقول لمن حوله : "هون عليك،فانما انا ابن امراة من قريش،كانت تأكل لحم القديد".وروى فيما روى ابو هريرة عن تواضع سيد الخلق وحبيب الحق، انه كان يجلس بين الصحابة،فيجيء الغريب،فلا يدري ايهم رسول الله. هذا هو النبي العربي العظيم الذي لم يطلب من ملايين البشر ان تعطل اعمالها،وتنزل للشوارع للتغني به ورفع صوره،ولم يحرق منافسيه بالطعن بذممهم المالية والوطنية،والتشكيك بمسلكهم الاخلاقي.... "سي سيد" هو الوصف الذي يلبسه السيسي كجلده ،وهو ذات الوصف الذي كان يصف به الروائي العالمي نجيب محفوظ ، رب الاسرة النرجسي المتسلط الذي لا يرى غير ذاته.ومن محاسن الصدف ان ابطال روايات محفوظ،جميعهم هم ابناء الحارة المصرية،وتحديداً حي الجمالية الذي ولد فيه " سي سيد... السيسي". 

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

محمد النطاح07-02-2014

مساء الخير ابو محمد. حلم الشعب العربي كلغريق يتعلق بقشة دون أي فاعليه . انا في المدينة المنوره
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.