هل يصمد الاقصى امام الهيكل؟!

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2014-02-26
1251
هل يصمد الاقصى امام الهيكل؟!
بسام الياسين

 كلام بعض المتطفلين على السياسة يحتاج الى تنقية كالعدس،وتصريحات عدد من المسؤوليين تحتاج لغربلة كالقمح.فالكلام الانشائي المترهل يتساقط كالزّوان،ويتطاير مع الريح كنشارة الخشب. سجالات محمومة دارت حول خطة كيري،فاستطاع الحاوي الامريكي بمزماره ان "يُرَقِصَ" الجميع على اللحن الذي يعزفه،ويحشرهم في غرفة جدرانها مرايا مقعرة يرى واحدهم الاخرين مشوهين،بينما يراه الاخرون كذلك مشوهاً مثلهم.

*** المقدمات الخاطئة تقود الى نتائج خاطئة،هذا في الرياضيات،لكنها في القضايا القومية والوطنية تؤدي الى نتائج كارثية.اليهود منذ السبي الاول في العراق،كانوا ينشدون العودة الى فلسطين لإقامة الهيكل المزعوم.هذا الهدف الديني البحت،هو المسيطر على تفكيرهم،و هو الركن الركين وحجر الاساس في عقيدتهم،لكن الصهيونية في اواخر القرن التاسع عشر ارتبطت بهدف سياسي يتمثل بالعودة الى فلسطين لإنشاء "دولة يهودية" نقية. يتضح من كلا الطرفين الحركة الصهيونية،والعقيدة التوراتية تهدفان لإقامة الهيكل مكان الاقصى، و انشاء دولة يهودية ـ منزوعة العرب ـ،وما يترتب على ذلك من اعتراف بحق اسرائيل على كامل فلسطين،و اسقاط حق العودة،واعتبار الوجود العربي و الاسلامي عبر التاريخ غير شرعي يترتب عله تعويضات خيالية .

*** قناعة تبلغ حدود اليقين عند اليهود ان الهيكل يقع تحت الاقصى،وإيمان عقائدي يُجمعُ عليه الجميع،سواء كانوا متدينيين ام علمانيين،يمينيين ام يساريين ان " لا اسرائيل من دون القدس....ولا قدس من دون الهيكل".السبب الكامن وراء هذا الاعتقاد الراسخ لدى غلاة اليهود،ان الرب سينزل عليهم بعد بناء الهيكل ويحكم بهم العالم.يشاركهم هذا الاعتقاد الخط المسيحي المتصهين المعروف باسم "المورمانيون" ومنهم جورج بوش الابن الذي اعلنها صراحة عند اعلان الحرب على العراق "انها حرب صليبية". 

*** المناخ السائد في الوطن العربي اليوم،هو المناخ المثالي لتحقيق حلم اسرائيل بـ "يهودية الدولة،و اقامة الهيكل"، فالمعلومات الراشحة عن المتطرفين، تؤكد ان حجارة الهيكل مرقمة وجاهزة للبناء عند هدم الاقصى الشريف .من جهة ثانية، فان يهودية الدولة اصبحت مطلباً علنياً يؤيده الامريكان،ويسعى كيري لفرضه على الفلسطينيين. ومما يسارع في تنفيذ الحلم الاسرائيلي،ان الدول العربية ممزقة،وجيوشها الكبيرة "المصري،العراقي،السوري" مشغولة في حروبها الاهلية والطائفية المميتة،في حين ان اوضاع الوطن العربي الاقتصادية متدهورة،ومياهه شحيحة،و مجتمعاته بائسة،فقيرة،وبعضها متخلفة.

*** الادهى ان اسرائيل خرجت من الصراع العربي،بعد ان اصبح الصراع عربياً / عربياً.وبلغ درجة الاقتتال العربي/ العربي.يضاف الى كل ذلك تراجع الهوية القومية والوطنية لصالح الهويات الفرعية والثانوية،مرفوقاً بانحلال قوى دول الطوق.اما الدول الخليجية الغنية و المستقرة، فان فلسطين هي آخر اهتماماتها، اذ ان معظمها قطعت شوطاً بعيداً في العلاقات الدبلوماسية المعلنة او السرية مع اسرائيل،فيما التبادل التجاري البيني معها قائم منذ زمن بعيد يجري احياناً تحت الطاولة و احياناً فوقها. الاسوأ ان هذه الدول لم تف بتعهداتها لفلسطين ،وهي ليست على استعداد لتقديم "فشكة" للمقاومة الفلسطينية،او مساعدة عائلة مقدسية للصمود في القدس التي يتباكون عليها،لكنهم على استعداد لدفع مئات المليارات لتدمير العراق وليبيا وسوريا. 

*** ناصر جودة اطلق العابه النارية تحت قبة البرلمان قائلا : "لا عضو ولا الف عضو كنيست يلغي وصاية الاردن على الاقصى"،وهذا الكلام لا يمت للدبلوماسية او الواقعية بصلة. فالواقع العملي يشي بان السلطة الفعلية على الاقصى الشريف،وان تراجع الكنيست عن ادراج بند مناقشة السيادة الاسرائيلية عليه، لم يكن اكثر من تراجع تكتيكي مرحلي لحسابات اسرائيلية بحتة،وليس خوفا من احد او امتثالا لضغوطات خارجية كما يصورها بعضهم، ـ ومع كتابة هذه السطور اعاد الكنيست ادارج الوصاية على جدول اعماله ـ .ثم ماذا يقول ناصر جودة عن جريمة، اعتلاء عضو الكنيست "موشي فيجلن" بحذائه سطح مسجد قبة الصخرة المشرفة،وتجواله في جنبات الاقصى بصورة استفزازية وإعلانه: ان الاقصى لليهود وعلى العرب الرحيل.واذا كانت الوصاية اردنية فلماذا لم تعترض على رفع العلم الاسرائيلي داخل حرم الاقصى؟!.ولماذا يتم استباحته شبه اليومية من قطعان المستوطنين؟!.ولماذا تطوقه الشرطة الاسرائيلية ايام الجمعة،وتدقق في هويات المصلين وتمنع الشباب من الصلاة فيه؟!. 

*** لا يختلف احمقان ، ان اسرائيل نتاج مشروع استعماري احلالي توسعي،قامت على تزوير الماضي وتقوم اليوم بتشويه الحاضر.و ما قاله المدون اليهودي "ماكس بومثال"، مؤلف كتاب جالوت الذي احدث ضجة كبيرة في الولايات المتحدة يعكس نمط فكرهم :ان اليهود لا يجدون ما يفخرون به في الدولة العبرية الا التفاخر بعنصرية تتجاوز كل الحدود،وتطرف عدواني وصل الى اعلى درجاته نتيجة الغرور،والاحساس بالتفوق والقوة. اذن ،فكل الظروف باتت مهيأة لتهويد القدس بالكامل و اقامة الهيكل على انقاض الاقصى الذي اصبح على وشك الانهيار جراء الحفريات او استحداث هزة اصطناعية خفيفة تطيح به ،اما الكلام المتهافت المترهل عن عروبة القدس،فهو مجرد كلام إنشائي،لا يؤخذ على محمل الجد.فالقدس كما يقول المقدسيون"تعيش اخطر مراحلها".

** نٌذكر ربان الدبلوماسية الاردنية ، ان كلمات جولدا مائير رئيسة الوزراء ما زالت ترن مدوية في الذاكرة العربية إثر حرق الاقصى على يد صهيوني متطرف عام 1969 حين قالت آنذاك: "لم انم تلك الليلة ـ ليلة الحريق ـ ،كنت خائفة ان يدخل العرب افواجاً افواجاً الى اسرائيل،لكن عندما طلع النهار ولم يحدث شيء،ادركت ان بمقدورنا ان نفعل ما نشاء، فهذه امة نائمة ".

*** حقاً،ان امتنا نائمة.فما حدث عام 1969 يتكرر على الدوام ،والا كيف يقود وزير الداخلية الليكودي والمتطرف "جدعون ساعر" المقرب جداً من نتنياهو مظاهرة حاشدة الجمعة الماضية، على راسها وزراء ونواب وحاخامات و كبار رجالات دولة في غور الاردن معلناً على اسماع الدنيا :" المستوطنون سيبقون هنا لأجيال قادمة،ومنطقة الاغوار مسالة اسرائيلية داخلية، لا دخل لأحد فيها".تصريحات وسلوكيات الساسة الاسرائيليين،توحي بصريح العبارة: ان اليهود يعملون على تصفية "القضية"،ولا يفكرون بتسوية لها.فيهودية الدولة تعني شطب التاريخ العربي،ومسح اثاره ،اهمها وعلى راسها الاقصى الشريف،لما يعنيه من رمزية.

*** الفترة التاريخية التي نعيشها اليوم،وحالة التشرذم،وانحلال القوة العربية والارتباط بالاجنبي،تتطابق الى حدٍ مثير بفترة ملوك الطوائف في الاندلس.فقد انفصل كل امير بمقاطعة من الدولة الام ،واستقل بها،فاصبح عددها "22" دويلة متناحرة،تستقوي كل واحدة على الاخرى بالاجنبي،وبعضها تدفع الجزية لاعدائها.وكان آخر فضائح ملوك الطوائف وعرب اليوم معاً،ان الكنيسة الاسبانية اشترت عام "2006" جامع قرطبة الذي جرى بناؤه عام 92 للهجرة،وهو احد المآثر الفنية والهندسية التي تركها العرب في اسبانيا بـ "30" يورو فقط لا غير .هذه حقيقة وليست نكتة او كذبة نيسان.

*** الافراط في الكلام والتفريط بالحقوق هو ديدن عرب الهزائم،ولا سبيل لتحرير القدس الا بوحدة الامة كما فعل صلاح الدين،و اعلان النفير العام لـ "الجهاد"،فما أُخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة،ما دون ذلك يقع في باب التدليس او التهليس والتستر على الواقع الفاسد. 

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

فهد قعدان- عمان28-02-2014

استطاع الكاتب تقديم موجز بسيط غي تاريخ اليهودية و عقائدهم و تحليل واقع العربي مقابل التصدي لهجمات اليهودية في تفتيت الامة الاسلامية و لو بحرب تكتيكية بالهجوم بين الحين و الاخر على الرموز الدينية. ان وضع الاقصى مقابل الهيكل هو اختيار موفق كعنوان للمواجهة بين صدق الدعوة و زيف كتابة التاريخ و التفنن في تكتيكات ايدولوجية ، بين الدعوة الى الرحمة و المواجهة مع الضلالة. ان الهيكل لا يعدو عن وهم لكنة هدف استراتيجي لديمومة وبقاء تاريخ صراع حضاري للبشر حتى الموعد المنتضر لحسم الزيف و الكذبة. حتى ذلك يبقى بيت المقدس تحت انتهاكات و احتلال غريب لتكون هي الاستراتيجية التى تجمع المسلمين مرة اخرى باستعادة هى نفس الاستراتيجية التى تحكم و تقبض على امتنا من تخاذل و هوان . قلة من كتاب اليوم يطرقون اهمية بيت المقدس من مساجدها و كنائسها و القلة منهم يتمتع بثروة ثقافية في تاريخ القديم و الحديث و يعرضها بلغة عصرية واقعية تسهل على حتى اطفال
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.