المراقبجي..!!

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2009-07-27
1609
المراقبجي..!!
بسام الياسين

      ما زالوا يقيسون بمساطر قديمة عفا عليها الزمن، ويخيطون بمسلات عتيقة خرجت من الخدمة منذ عقود، ويفكرون بذهنية سلطوية تسلطية. لم يستوعبوا   بعد ان العلم حَوّل الكرة الارضية على رحابتها الى شريحة الكترونية صغيرة. واختزل ادوات الزمن، بادوات اصغر من علبة ثقاب، واخترق بعابرات القارات حاجز الصوت، فيما بعضهم يمتطي ظهر سلحفاة هرمة. ورغم هذه التحولات المدهشة، والانقلابات الشجاعة، فانهم يريدون ان تظل صورة «الجندرما» ذو الهيبة العثمانية والشوارب المعقوفة. والهراوات الصلبة المقدودة من شجر السنديان والبلوط تعشعش في ذاكرة الناس، وتسيطر على مشاعرهم. ويظنون ان القرن الحادي والعشرين لم تشرق شمسه بعد، وقمره الفضي ابتلعه الحوت في بحر الظلمات، والعتمة تجلل وجه الارض بالسواد في حين ان العالم باسره يغذ الخطى الى ميادين الابداع، وفضاءات النور، ورحابة المستقبل الواعد حيث يشهد العصر انقلابا على المفاهيم المسلم بها.   ابان انفجار الثورات في القرن التاسع عشر وتسارع حركة التاريخ وانقلاب اوروبا على تعاليم الكنيسة، وتلاشي هيبة وصلاحيات البابواتوانطلاق الفكر التحرري المستنير من قمقم التخلف، والتصدي لتكميم الحريات والحجر على العقول وولادة النظريات المستقبلية المبشرة بالحرية والعدل والمساواة . اصدر «الباب العالي» في ذلك الزمن الأسود من الاستانة امرا بمنع استعمال كلمة «ثورة» او تداولها في الصحافة، واستحدثت الدولة العثمانية آنذاك وظيفة «المراقبجي» مهمته مراقبة المواد الصحفية، والاشراف على طباعة الصحف، وحين اندلعت الثورة البلشفية، في روسيا، وراح ضحيتها مليونا انسان، احتار الصحافيون كيف يخرجون من مأزق كلمة «الثورة» الكلمة اللعنة، وعندما لم تسعفهم الحيلة، رغم ان بضاعتهم بيع الكلام للناس، ولم يهدهم تفكريهم الى استنباط مفردة مرادفة، اشار عليهم «المراقبجي» حلا عبقريا باستبدال كلمة «ثورة» بكلمة مشاجرة. وطلعت الصحف في اليوم التالي بمانشيتات رئيسية على صحفاتها الاولى تقول «مشاجرة في روسيا قتل فيها مليونا مواطن روسي». بعض الصحف اكتسبت سمعة سيئة نتيجة لتضليل القارئ وعدم تكامل المعلومة، واحيانا قلبها رأسا على عقب بينما ظل بعضها الاخر امينا على ما استؤمن عليه، ووفيا للقارئ في جرأة تصل احيانا الى حد القسوة مما اعطاها الصدقية والاحترام. الحياة ليست رحلة قطار باتجاه واحد، وعلى مسار واحد، وفوق سكة واحدة، لكنها   محيط زاخر بالاحداث والمفاجآت والتقلبات. يتخوف بعضهم على «المواجهة» بانها تحلق عاليا، ونقول: ما الضير في ذلك اذا كان سيد البلاد قد اعلن على رؤوس الاشهاد ان حرية الصحافة   حدودها السماء، ومع ايماننا ان السماء للنسور الجسورة وليست للديدان الزاحفة فالذي عاش عمره جاثيا على ركبتيه ليس بامكانه الطيران حتى لو استعار اجنحة لانه اعتاد على الدونية والغوص في الوحل فالمبدع لا يكون مبدعا الا اذا دافع عن خبز الناس واحلامهم ووقف الى جانب قضاياهم المشروعة. ان عشقنا لهذا الوطن هو عشق اصيل تخمر في عروقنا تحت المطر والشمس والريح وهو حب جنيني تشكل في جيناتنا الموروثة وورثناه من اصلاب اجدادنا. على ضوء ذلك «فالمواجهة» ليست عصفورا طري العظم، يختبئ اذا ما هاجمته العواصف بل هي نسر جارح يصعب مواجهته. ولا ندعي اننا الاميز على الساحة الاردنية بل اننا الاكثر صدقية وموضوعية وجرأة على قول الحقيقة المنزهة عن الغرض وهذه الاقانيم الثلاثة هي تكريم ثلاثي الابعاد للصحيفة والصحفي والقارئ، اما الذين ينظرون للاشياء بعين واحدة فذلك ان العيب فيهم وفي رؤياهم، لم يستطيعوا ان يروا حتى اللحظة ان بعض الحرامية المتنفذين يستطيعون التهام فيل نيئ دون ان يشعروا بعسر هضم او حتى شكوى من انتفاخ في البطن فيما المواطنون الغلابا اصبحوا جثثا تتشوف للموت من سطوة الظروف وسيطرتها وقهر الايام وظلمها. نعرف اننا لا ندخل حقل الاعلام بل ندخل بثقة حقل الالغام على خطورته متوقعين اللا متوقع من اجل الوصول الى كبد الحقيقة لنضعها بين يدي الاردني الشامخ للتشريح، ولايقاظ العملاق النائم في اعماقه. وبرمجة الذات على الحصانة من الاحاديث المغشوشة والاكاذيب المستوردة من مصادر متهافتة. هذا وطن الرجال الرجال الغيورين عليه وعلى امواله وابنائه ومستقبله ، اما الخنازير المعلوفة على خيراته فهم المتهمون بانهم بلا نخوة ولا وطنية لأن الذي يسرق كرمه يجب تعزيره وكشف أوراقه للناس كافة وتلك عادة قديمة حيث كان السارق يمتطي حمارا بالمقلوب وَيُطَوّف به في شوارع المدينة ليعرفه الناس وليكون عبرة لباقي الحرامية. ولانهم محصنون ضد القانون كالصراصير والقوارض التي اكتسبت مناعة ضد المبيدات الحشرية. لذلك فان تعريتهم اصبحت فرض عين على كل وطني غيور.

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

ابو منصور27-07-2009

من الطبيعي ان يظل هؤلاء الورثة على ما ألِفوه ، فالرسوب في المألوف اريح واربح لهم من ( آفة) التطوير والابداع . حالهم المتبلّد امسى كحال من يسابق الطائرة بجمل اعرج . انهم يكّفرون ويحاربون كلَ جديد خوفاً من ان يتجاوزهم او يلغيهم .

"المراقبجي" : يا لظلم الانسان لنفسه !! كيف لمثل
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

مصطفى العوامله27-07-2009

حين يصبح الدكنجي هو المراقبجي يتصيد الفرص والسوانح ليقتنص جيوب الخلق دون رفة جفن ويرى الوطن كله مسرح نهب وسلب من خلال النظارته الشبيهة بالتي توضع على عين البغل الذي يجر عربة الفساد والمحسوبية والجشع والانتهازية وكل صنوف الرذالة والانحطاط لكى يبقى مستقيم السير باتجاه الاهد
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.