وردة على قبر محمد الماغوط

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2014-04-08
1327
وردة على قبر محمد الماغوط
بسام الياسين

( الذكرى السابعة لرحيله في 3/4/2006)

 رحل شاعر النثر،ناثر الشعر،غاب في ليلة باردة، حالكة السواد ليس فيها قمرٌ ولا نجوم، لكنها ملبدة بحبات المطر المخبوء في رحم السحاب،لتنهمر زهراً وسنابلَ وقصائد حزينة على روحه المبدعة،وتُزهر شاهدة قبره لتغدو روايةً مفتوحةً،يقرأها كل عابر سبيل لكي تختزن في ذاكرة الاجيال على مرّ العصور،وتؤرخ لاسوأ مرحلة في التاريخ العربي،فاقت في سقوطها المدوي مرحلة ملوك الطوائف،لندخل نحن في معركة الطوائف.رحل نحات الكلمة الشفرة، الكلمة الطلقة،الكلمة الوردة العطرة،والشوكة الدامية. رحل الاديب الاستثنائي الرافض للمألوف المكرور، والموروث الممل.فكان العبقري الذي لا يتكرر،والمُجدد الذي لا يُمل من شعره ومسرحه وسخريته.

*** في غرفة ضيقة بمنطقة شعبية في قاع بناية مهترئة،وسط حي دمشقي قديم، تُعرف في الشام بـ "القبو" .استطاع الفتى الهارب من عسس الليل و بصاصين النهار و اجهزة القمع و اساتذة التنكيل،ان يبني مملكة شعرية رفع مداميكها من قصائد مرسومة بمعمار هندسي فريد،و لغة بلاغية متميزة، و ان يُشيّد مدرسة مسرحية يبز فيها اعلى القامات الادبية.هناك ارتفع اسم الماغوط نجمة مشعة في الفضاء العربي، بينما جلادوه الذين عذبوه،وحاولوا قهر روحه المتمردة، كنستهم الذاكرة الشعبية الى مزبلة التاريخ،وسجلتهم في قائمة العار،اما من بقي منهم على قيد التقاعد تراهم يتلطون بالزوايا خجلاً من افعالهم المشينة،او يلتزمون بيوتهم ـ السجون الاختيارية او القصرية ـ .

*** الماغوط شاعر الفطرة الطيبة،والحكمة المُحكمة، والموهبة الساخرة .كان الأميز المميز.حامل هموم الوطن على هامته لا اكتافه.لذلك حورب من اعداء صرخة الحرية والكلمة المتفجرة،لكن الانظمة الخائفة من كلماته، عادت وسمحت بها ليس كرماً بل بقوة الضغط الجماهيري.اللافت فيه، انه جمع الاضداد في توليفة فريدة،و آلف بين الوردة والشفرة،وزاوج بين البسمة والدمعة،ونظم القصيدة على ايقاع مطارق الطبقة العمالية.برع في المساكنة بين السكين والحمامة،و تعبقر اكثر في تناغم صرير الاقلام وصليل السيوف. معادلته العجائبية ارتقت حدود العجيبة الاعجازية،فاستفزت الانظمة ضده لكنها جذبت الشعوب اليه.

*** رغم الفقر المدقع والبؤس الموجع،والجوع الموصول، ظل عصياً على الركوع،كما ظل متوهجاً كشمس استوائية لا تنطفىء،متلألأً بالتحدي مثل ماسةً صلبة على الكسر ومحصنة ضد التفتيت.هذا هو محمد الماغوط مبتكر المفردات الفريدة، وصاحب القلم المحشو برصاص النقد الجارح لذوي الكراسي العالية، و الاوسمة الكرتونية.بابداعه اللامسبوق حقق ما لم يحققه الاوائل في زرع الابتسامة على الوجوه المكدودة المنكودة، و إسالة الدمعة المتحجرة من المآقي الحزينة كساقية دمشقية،و روى قلوباً عطشى مثل ناعورة حموية تسبح باسم الله.

*** حين كان كُتاب السلطة يغطون اقلامهم في مباول الانظمة،استبدل الماغوط حبر محبرته البارد اللزج، بملح الباورد الحارق المتفجر. ليحرق بريشته المسنونة كرمح لا ينكسر،كي يفجرعالماً خرباً منخوراً،وينحر الطائفية الكريهة، والمذهبية الموبؤة،و الاقليمية البغيضة،وقد نجح بفكره المتفتح المنفتح ان يعبر الحدود و الاعراق . فالانسان هو الانسان في أي زمان ومكان، لذلك استحق محبة الجميع،حين اقام عالما مميزاً للفقراء من خبز وكرامة وحرية.و أعلى من شان المهمشين والمسحوقين،و اعاد لهم اعتبارهم بانهم ملح الارض و خميرتها، لا حراميتها الذين نهبوا ثروتها،وحولوا مستقبلها الى شيكات في جيوبهم،و ارصدة في بنوك اعدائهاnn*** الماغوط محمد، امضى حياته صيادا يطارد الكلمات في غابات اللغة البكر التي لا تسمح عذريتها بدخولها الا للعمالقة الكبار وللمتمردين على الانماط اللغوية العادية.فحصل على الحب، وحصد الشهرة،مما أَلبَ عليه الصغار الصغار،وذوي المواهب الرديئة،فحاربوه وهو المحلق كصقر في سموات بعيدة والمستوطن ابداً القمم العالية،فيما واحدهم كذبابة تحاول التحليق بلا اجنجة وحين تفشل يغلب عليها الطنيين. الفارق بينهما شاسع هو كمغنٍ مقاوم يكتب وينظم على رائحة البارود ومن داخل الخنادق،بينما واحدهم كمغني البارات الرخيصة يتطعوج على ايقاع الطبل والزمر،ويكتب على رائحة الويسكي المغشوش.

*** الماغوط شاعر رفض الواقع ،وهاجم الدولة البوليسية التي تحمي نفسها بقوة السجن ورطوبة الزنزانة، وقطع لقمة عيش المعارض ومطاردة المثقف،وسحب جواز سفره لمنعه من السفر،وهي ذاتها التي يكون فيها مدراء الامن اهم من العلماء،ووزراء الداخلية افضل من الفلاسفة،و البصاصين اهم من المبدعين.في سجون دولة القبضة الحديدية التي زُج به عدة مرات، فضح دعاة الوطنية، وكشف المستور عن كبار المسؤولين،كبار اللصوص.هناك نظم الشعر داخل زنزانته الضيقة على علب السجائر المهربة وكان - عرابه- الحزن، وملهمته الغربة فابدع، و حازعلى تاج الكلمة الساخرة ونوط الشجاعة على صراحته اللا معهودة.

*** لا احد يعرف هل سكن الماغوط ذاكرة الوطن ام ان الوطن سكن ذاكرته؟ لذلك كان دائم الاشتعال والاشتغال بقضايا امته، وحدب على معالجة همومها من خلال كتاباته.فاشتغل على علمنة السياسة المنفلتة، و عقلنة الدول المتنمرة على ابنائها،المستكينة امام اعدائها.وفضح دور الاعلام العربي الذي ساهم في التضليل والتدجيل الكاذب حتى في النشرات الجوية،و اسعار الفجل والباذنجان،وكشف دور الاجهزة الامنية،في مسرحية كأسك ياوطن،كيف عملت باخلاص في ـ ايصال الكهرباء الى مؤخرة المواطن قبل ان تُضيء له مصباحاً في سقف بيته،و سخر من تفاخرها بمعرفة ما يدور في غرف نوم مواطنيها،في حين ان اليهود اخترقوا الامة من اربع جهاتها. المهزلة الكاوية اكثر حصول القائد العربي على 99% في الانتخابات، وهذا لا يحدث في جحور النمل وممالك النحل،و اسراب البرغش و الملاريا لكنه حدث عندنا.و للاسف فان كوريا الشمالية هي الدولة الوحيد التي سبقتنا في هذا المضمار،وحصل الزعيم على 100% حتى قيل تهكماً انه من اصول عربية.

*** منذ ديوانه الاول اعترف الماغوط بان: "الفرح ليس مهنتي» حتى «كأسك يا وطن» التي ظل يكرعها مع اشراقة كل شمس الى مغيبها لعله ينسى او يتناسى هزائم امته، و يُخرسَ البراكين المتأججة في اعماقه، حسرة على امة منهكة ومنتهكة،لم تزل تعيش جاهلية متخلفة وتسيطر عليها مفاهيم داحس والغبراء، وعنتريات حرب البسوس،بينما تتمرجل "اسرائيل" عليها،وتتدخل في شؤونها وتسرق مياهها وتهددها حدودها،بان خارطة اسرائيل مرسومة على جنازير دباباتها، الانكى ان اسرائيل تحرك بعض زعاماتها مثل احجار الشطرنج .ما حدث معه نتيجة إحباطه الشديد، ذات سكرة عرمرمية، لم يميز فيها بين الديك والحمار اصدر ديوانه "ساخون وطني"، ذورة اعماله في الانتماء والولاء وحب الوطن.

* غادرنا المسرحي الساخر الناثر الشاعر الناقد الفنان، و الامة في «غربة» موحشة،وضائعة في «ضيعة تشرين» حتى اصبحت ضياعا تشرينية متعددة مثقلة بالحروب الاهلية والطائفية،ومهددة بالتفتت.لكن المحزن ان نبوءته تأكدت بعد رحيله:اننا شعوب مرتهنة لغيرها، مأزومة فيما بينها،و«مستقبلها في قبورها»؟. فعلى الادباء الشرفاء،والمبدعين العظماء تنكيس اقلامهم اجلالاً للراحل العظيم في ذكرى رحيله،فالصحافة العربية تناسته لانها مشغولة بالاسفاف،وصغائر الامور،مثالا لا حصراً زواج زينة العرفي وانجابها توأم غير معروفين الاب،والراقصة صفيناز تلك التي راودها محاميها،وسما المصري التي اعترف بان لا احد يوازيها بقلة الادب غير نجيب محفوظ حامل نوبل في الادب.عزاؤنا،ان الماغوط اصبح قمراً ساطعاً في سماءنا،وحياً يرزق في وجداننا،اما جلادوه،ـ سيلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ـ الى يوم يبعثون.

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

مصطفى العوامله09-04-2014

محمد الماغوط الشاعر الناثر المسافر في أحشاء الوطن العربي والساكن في ضميره والناشر اشرعة الصدق والصراحة مع الذات ومع الأمة في أحلك ظروفها وتاريخها المليء بالسموم يشكل لوحة سريالية لواقع هذه الأمة وما تعانية من تمزق وفرقة وما تكابده من ضياع واستمراء للهوان والنكوص والإنحدار إنه الرمز الرافض لكل ذلك والمكافح من أجل الخروج من هذا الواقع المرير وبرغم الحياة المرة التي عاشها بقي ينظر من النفق الطويل الى الكوة المضيئة في أخره ويستنشق عبير الحرية والإنعتاق إنه رمز المقهورين في زمن القهر والترجع الذين يتطلعون لغد مشرق يمحوا كل ظلام العتة الحالكة التي تحيط به منذ ردح طويل من الزمن لقد تعبت يا ماغوط ولم يتعب الفاجرون .....لقصتك بقية يحمل مشعلها المخلصون والشرفاء على قلتهم في هذا الزمن الكالح ...على روحك السلام
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.