مثلنا تماماً!

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2014-04-29
1147
مثلنا تماماً!
محمد ابو رمان

 "أعتذر عن عدم تمكننا من منع وقوع الحادث، وعدم تعاملنا بالشكل الصحيح مع نتائجه"؛ بهذه العبارات خاطب رئيس وزراء كوريا الجنوبية شونغ هونغ وون، شعبه قبل أن يستقيل من منصبه (يوم الأحد الماضي) على خلفية غرق عبارة ركاب في 16 من الشهر الحالي، والذي خلّف أكثر من 300 قتيل ومفقود!

وأضاف الرئيس: "شعرت أنني كرئيس للوزراء، يجب أن أتحمل المسؤولية وأستقيل". وتابع: "أردت أن أستقيل قبل هذا، لكن الأولوية كانت لإدارة الوضع. وارتأيت أن المسؤولية تقتضي أن أقدم المساعدة قبل أن أرحل. لكني قررت الاستقالة الآن كي لا أكون عبئا على الحكومة".

على غرار هذه الحادثة، فقد قدم رئيس وزراء ولاية "نيو ساوث ويلز" الأسترالية باري أوفاريل، استقالته من منصبه، بعد أن ظهرت معلومات تفيد بأنه ضلل المحققين بشأن قبوله هدية هي عبارة عن زجاجة نبيذ يصل ثمنها إلى 3000 دولار أسترالي (2800 دولار أميركي)!

رئيس الوزراء الكوري الجنوبي قدّم استقالته لمسؤوليته الأدبية والأخلاقية عن التقصير الحكومي في التعامل مع حادث غرق العبارة الكورية، ومقتل مئات الأشخاص، وهو يعتذر للشعب الكوري عن ذلك. ومسؤول محلي أسترالي رفيع يستقيل تحت ضغط نظام المساءلة القضائية والإدارية الفاعل. ولن نعجز عن أن نقف على عشرات من قبيل هذه الأمثلة في دول العالم التي تحترم نفسها وشعوبها، وتعرف المعنى الحقيقي للمسؤولية السياسية والإدارية، وحكم القانون، واستقلال القضاء!

حتى في إسرائيل، فإنّ المسؤولية القضائية تلاحق رئيس الدولة ورئيس الوزراء وكبار المسؤولين؛ على القضايا الصغيرة قبل الكبيرة. بينما يطلب الرئيس السوري بشار الأسد، من شعبه عدم إطلاق العيارات النارية احتفاءً بترشحه للرئاسة؛ أرأيتم جرأة في الاستهتار بحياة البشر أكبر من ذلك؟!

وأنا أقرأ هذه النماذج السياسية والإدارية، حاولت أن أعارك ذاكرتي وأعصرها جيّداً فيما لو كان لدينا مسؤول واحد استقال (إرادياً) للأسباب نفسها؛ سواء تقصير في التعامل مع أزمة أو قضية، لو من باب المسؤولية الأدبية، أو تمّ اكتشاف فساده وهو على رأس عمله، فطيح به قضائياً وإدارياً، بسبب الفعالية في آليات المراقبة والمساءلة!

للأسف، لم أجد. وإذا كانت ذاكرتكم أفضل من ذاكرتي (وهي على الأغلب كذلك)، فالرجاء أن تصحّحوا هذه المعلومة!

بل وحاولت أن أجاهد الذاكرة لعلّ مسؤولاً أردنياً أخطأ في تصريح أو محاضرة واعترف بأخطائه وزلاّته، حتى بعد خروجه من الموقع الرسمي، واعتذر للرأي العام الأردني، حتى وإن كان الأمر بأثر رجعي، فقط من باب تكريس مفهوم المسؤولية الأدبية والأخلاقية، وثقافة الاعتراف بالخطأ والاعتذار؛ لكنني لم أجد!

على النقيض من ذلك تماماً، فإنّ أغلب المسؤولين السابقين في محاضراتهم أو لقاءاتهم السابقة يستخدمون الأسلحة كافة للدفاع عن النفس، وتبرير مواقفهم وسياساتهم، وكأنّ ذلك يحميهم ويعزّز مكانتهم، فيما الواقع على النقيض من ذلك تماماً؛ فأنا متأكد أنّه لو تحدث مسؤول للناس، حتى بعد خروجه، واعترف أمامهم بأخطاء ارتكبها، فإنّه سيكبر في أعين الناس وسيُحترم لهذه الميزة التي نفتقدها في المسؤولين جميعاً!

ما يحدث لدينا (بخلاف عنوان المقال الخادع تماماً!) هو على النقيض مما حدث في كوريا واستراليا وتلك الدول؛ حتى المسؤول المخطئ، الذي تتم إقالته عنوةً، من دون أن يفكّر هو في المبادرة إلى ذلك، يخرج حاقداً على الدولة والناس، ويعتبر نفسه "كبش فدا" للمرحلة!

مثل هذه الثقافة الديمقراطية الحقيقية (الاعتراف والاعتذار والمساءلة) لم تولد بعد لدينا، بالرغم من كل البلايا والكوارث التي تحدث في بلادنا، فمسؤولونا أنبياء وقديسون منزهون عن الخطأ، ونحن من يجب أن نعتذر لهم على "سوء الظن"! 

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.