رجلٌ غير قابلٍ للفسادِ و الافساد ؟!

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2014-05-13
1476
رجلٌ غير قابلٍ للفسادِ و الافساد ؟!
بسام الياسين

 الكتابة بلا اظافر جارحة،و اشواك دامية،مجرد لغو مقاهٍ،ثرثرة عجائز، مجالس نميمة. انها الكتابة التي تُعري المرحلة،والا فالصمت عبادة. من هنا كان كلام المفكرين العظام،والروائيين المبدعين،والشعراء المحلقين،والفلاسفة السابقين لعصرهم، كنوزاً تتوارثها الاجيال.هي اثمن من النفائس الثمينة ،و اخطر من اليورانيوم المُشع، لما لها من اثر كبير على سلوكيات الناس و ثاثيرعلى قناعتهم،حتى ان بعض هؤلاء تخطّت شهرتهم جغرافية دولهم، و اصبحوا عابري للحدود.


المفارقة الصارخة ان قادة بعض الدول العربية لم يبلغوا هذه المنزلة، فلا يأُخذ كلامهم على محمل الجد،وليست احاديثم ذات قيمة او اثر يذكر،لانهم قادوا دولهم الى كوارث محققة، وجروا شعوبهم للهاوية،بسبب فقدانهم الشرعية والشعبية معاً. فهم إما عسكري امتطى دبابة ذات غفلة بتوجيه من سفارة اجنبية،او وارث جاء بالصدفة في ليلة مكفهرة،فعُزفت له المارشات العسكرية،عندما كان جنيناً في رحم امه، وأًقيمت له الزينات يوم اطل براسه،وغطت صدره نياشين الرئاسة بعد ان خلع "حفاظاته".جديد الساحة العربية،ان احدهم جاء في ارذل عمره على ظهر عربة للمعوقين، متحدياً الحقيقة الطبية :" لا يُصلحُ العطار ما افسده الدهرُ.

في غابر الزمان، كنا نفاخر الدنيا بابي بكر رضوان الله عليه في الصدق والايثار،وابن الخطاب في العدل،وعثمان في البذل،وعليُ في الحكمة والحرب. ثم تصّدرنا العالم في العلماء:ابن النفيس في التشريح،وابن رشد في الفلسفة،وابن الهيثم بالرياضيات،وابن حيان في الكيمياء.....والفلك والجبر والطب.

اما في هذا الزمان اصبحنا نطأطأ رؤوسنا من كثرة الجلاديين والقتلة المحترفين،نعاني من الاستبداد والتنكيل،وقمع الحريات والاحكام العرفية وقوانين الطوارىء ومحاكم امن الدولة التي تشبه محاكم التفتيش في القرون الوسطى.

حجزنا بكل فخر المقاعد الخلفية في تقرير الحريات العالمي، ونحن اول من رفع صوت الحرية " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم اماتهم احرارا".واستبيحت حقوقنا ونحن اصحاب اول شرعة في حقوق الانسان ـ العهدة العمرية ـ قبل الماغنيكارتا البريطانية بالف سنة.بالمقابل كان عدونا يرفع سقف الحرية، ويبسط الديمقراطية،ويشجع الاحزاب.وحين نشبت حرب 67 خسرنا اراضي ثلاث دول في سويعات،وضاعت فلسطين من البحر للنهر.فكانت نكبة لا نكسة،نتج عنها هزيمة الانسان العربي، وتصّدع وجدانه،وهزت شخصيته.

القبضة الفولاذية للانظمة،والسلطة البوليسة القمعية،وهراوات الشرطة،كلها كانت في خدمة الشعب،حتى اصبحت السجون والمعتقلات العربية اكثر شهرة من الجامعات ومراكز البحث العلمي،ووزراء الداخلية ومدراء المخابرات يثيرون رعب الناس وخوفهم اكثر من"دواعشة" سوريا،ويرتعد المسؤولون امامهم كالفتيات امام كتيبة مسلحة من "بو كو حرام". هذا الخوف المتراكم والقهر المتواصل،حطم الذات العميقة التي تبعث الشعور بالكينونة والحضور لدى المواطن،وولّدت عند الشعوب العربية ما يعرف في علم النفس السلوكي بـ "السلوك الخضوعي" أي ـ الانقياد للسلطة كالقطيع ـ.

ما زاد في تعميق هذه الحالة المرضية،اعلام فاسد مفسد،صحف دولة تتحرك بتوجيهات الحكومات وتأتمر باوامرها،قوانين مطبوعات قراقوشية،محطات اذاعية لا تتعب من الانشاد للزعيم،اجهزة مخابراتية ترصد كل نأمة داخل الوطن،بينما تترك الاعداء يمرحون في عرض البلاد وطولها،وتتدخل في الجامعات،وترصد المساجد،وتكتب خطب الجمعة للائمة كما تكتب افتتاحيات الصحف،وتحشر انفها في صياغة المناهج.المضحك سماحها بحرية الثرثرة،لا حرية المعلومة والبحث عن الحقيقة. الحصيلة كانت، ضياع حقوق الانسان الوطنية وتدنيس وعيه القومي،وتمركز السلطة بيد القلة المقربة، فيما ذهبت الثروة لجيوب النخبة المُدللة.

في هذه الاجواء المكفهرة القاتمة.القى الشاب البوعزيزي عود ثقاب مشتعل على هشيم الامة في تونس الخضراء التي حوّلها زين الفاسدين الى كازينو لطلاب المتعة، وسجن مفتوح للمعارضة .فكانت البداية والشرارة والمنارة.في هذه الاثناء عاد الطبيب المقاوم وداعية حقوق الانسان المناضل، نزيل زنازين زين العابدين،واحد المتأثرين بتعاليم المهاتما غاندي المنادي باعتماد المقاومة السلمية،لانتزاع حقوق الانسان المهدورة،وفرض الحرية المسلوبة المروزقي .محمد المنصف ، لم يخرج من زنزانته الا بحملة دولية قادها الزعيم الاممي الراحل نيلسون مانديلا،فمتى نحتفل يا الله بهدم اخر زنزانة لاهل الراي على راس السجانيين؟! على المقلب الاخر،في اوروبا جرى تكريمه حيث اختارته مجلة فورين بوليسي من بين مائة مفكر عالمي لعام 2013 ووصُف بانه "رجل غير قابل للفساد والافساد. ومنذ استلامه الرئاسة كانت تشغله قضيتان: الاعلام والتعذيب.

وصف المرزوقي الاعلام العربي بالاعلام الاستبدادي الذي يحاصر العقل،لانه يصب في خانة السلطة لا في مصلحة المواطن. ويمكن وصفه بـ "الاعلام الامني".لان دوره يتمثل في "احكام الغطاء على فوهة البركان الشعبي،للايحاء باستتباب الاستقرار المدني والسلم الاهلي في الدولة".إعلام انكشف في مواقع عدة ابرزها بعد ثلاثين عاماً من التطبيل لبورقيبة ـ يا سيد الاسياد يا حبيبي بورقيبة الغالي ـ ، حيث لم نرَ تونسياً واحداً يدافع عنه او يترحم عليه.هذا ما حدث مع الرؤساء زين العابدين،القذافي،مبارك،علي عبدالله صالح .ذات الاقلام والصحف التي كانت تتبارى في مدحهم والتزلف لهم، انقلبت ضدهم واخذت تهاجمهم في اليوم التالي لسقوطهم.

و لا يخفى على احد ان دور الاعلام الحكومي "صنفرة وجه القائد" وخنق المعلومات وقلب الحقائق وشيطنة المعارضة وتشويه شخوصها.ولخطورة دور الاعلام قام المرزوقي بعد استلامه مهامه الرئاسية باصدار "الكتاب الاسود" نشر فيه اسماء حوالي مائة شخصية عربية اعلامية و ادبية ممن باعوا ذممهم،ورهنوا شرفهم، ليقبضوا من اموال الشعب التونسي لتلميع الطاغية زين العابدين كبير الفاسدين.

القنبلة الثانية التي فجرها المرزوقي في حضن قادة العرب قبل اسبوع في سابقة غير مسبوقة، اعتذاره شخصياً عن التعذيب الذي لحق بالشعب التونسي على مدار الخمسين سنة الماضية،و نادى بوقف التعذيب ومحاربة هذه الافة التي برع فيها الحكام العرب .فقال: لم يعد للنظام العربي الاستبدادي من حليف سوى الاجهزة القمعية المخابراتية،التي بدأت هي الاخرى تحسب الف حساب،لقناعتها انه لم يعد بالامكان افلات احد من العقوبة بعد ظهور المحكمة الجنائية الدولية .

يعزو الرئيس المرزوقي سبب التعذيب الى ان غالبية الحكام العرب جاؤوا من بُنى اجتماعية تحتقر غيرها،ولا تفهم الا سياسة القهر والمنع من العمل والسفر وتصل احيانا الى الاغتيال. وهناك سوابق عديدة في هذا المجال. ممارسات بوليسية تهدف لاسقاط المستنيرين،وفرم اصابع الكُتاب الخارجين عن السرب، والتضييق على اهل الوعي من اجل تعويق الديمقراطية وشل حركة الاصلاح وتجهيل المواطن،و ايهامه ان الهمّ الرئيس له يجب ان ينصب على ملء المعدة و اشباع الرغبة، فيما واقع الحال يشي انه يبحث عن الحرية والكرامة.

نموذج الرئيس المنصف المرزوقي الانساني، اسقط الهالة المقدسة الزائفة التي كانت تلف الرؤساء،كما اسقط لعبة الحاكم الابدي الذي يكتب النوتة الموسيقية التي تعجبه وعلى الشعب الرقص على مزاميره، تلك التي تشبه ما فرضته سلطات كوريا الجنوبية على طلبة الجامعات،تقليد تصفيفة شعر الرئيس "كيم جونغ اون". الثورة التونسية المتحضرة، دحضت فكرة الانظمة العربية المغلوطة التي تسوّقها اجهزتها، بان حراكات الشارع العربي ستقود الى فوضى عارمة ونتائج مدمرة. في ظل هذا الدمار الشامل،ندعو الله مخلصين ان يقيض لنا نصف دزينة من الحكام العرب على شاكلة المرزوقي، ليعيدوا للامة كرامتها،ويرفعوا الظلم عن ابنائها،و يعطي حكامنا شجاعة القول لشعوبهم " الان فهمتكم" ويغادروا للاقامة في جدة ليسهل عليهم اداء الحج والعُمرة للتكفيرعن خطاياهم .
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

عصام13-05-2014

كل الاحترام والتقدير للرئيس المنصف المرزوقي هذا الرجل الشريف النظيف الصادق المنتمي لهذه الامه في الوقت الذي نادرا ما تجد مثل هذا الرحل
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.