هل هذا من فضل ربي ؟!

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2014-05-20
1569
هل هذا من فضل ربي ؟!
بسام الياسين

 ( مهداة للوطني النقي،صاحب الصوت الجريء د.م حكمت القطاونة ) 

"هذا من فضل ربي". لافتة منقوشة على مداخل العمارت الضخمة، تتصّدر القاعات الكبرى،يرتفع منسوبها ارتفاعاً ملحوظاً في احاديث "محُدثي النعمة"، حين يستذكرون الايام الخوالي،كيف كان معاليه،عطوفته،سعادته آنذاك،لم يجد شفرة مثلومة لحلاقة " لحيته الغانمة"، وكيف كان يعاني لاشهر قبل وبعد شراء حذاء جديد لان اصابعه خرجت من "بوز حذائه" ،وطار نعله لكثرة المشي الكعابي حتى يوفر اجرة السرفيس لتناول وجبة عشاء. كل هل هذه الخيرات هبطت بفضل كفاحه الاسطوري،وعرق جبينه،وسهره الطويل. وقد استطاع بـ "فضل ربي" ان يدخل نادي اصحاب الملايين و يغدو ابرز اعضاء منظومة الفساد. سلسلة من العقارات تقع بالقرب الى جانب مزرعة تخلب الالباب باشجارها المثمرة، و نوافيرها المتدفقة بالمياه العذبة.برك سباحة دافئة. شاليهات نوم مفروشة باثاث مستورد طراز لويس الاول حتى السادس عشر.قاعات طعام فخمة تصدح فيها الموسيقى الهادئة،و لوحات ثمينة لاشهر الفنانيين. 

قصة كفاحي للنازي ادولف هتلر، تبدو تافهة متهافة امام قصص هؤلاء المكافحين.فالواحد منهم كافح بضرواة لاستثمار موقعه الذي احتله بالوراثة، بالمحاصصة العشائرية،،بالواسطة الغامضة ، بالمحاصصة الجغرافية، بجوائز ترضية جرى تلزيقه للتنفيع او دسه للاستنقاع . فيلات خيالية. اثاث مستورد من طراز لويس الاول الى لويس السادس عشر. سيارات تتبدل لتناسب لون الحذاء وربطة العنق.موبقات جاءت من التراخي في القوانين والسكوت عن السراق الكبار المدعومين، مما ولدّ ظاهرة المسؤول المليونير،المسؤول السكير، المسؤول المتحرش برتبة وزير، صدقت العرب في قولها "مَنْ أَمن العقابْ اساء الادب"و" اذا لم تستحِ فافعل ما تشاء". 

رغم هذا البذخ، لا ينفك المسؤول المتخم حتى حلقه من شكوى مريرة من ان زوجته تقضي جُلَّ وقتها في صالونات التجميل لاجراء عمليات شد و ترقيع و تلزيق، حتى اصبح جلدها جافا مثل قربة خرجت من الخدمة،ومشدوداً كطبل في يوم استعراضي.اما الصبايا فانهن يفرطن في السهر حتى ساعات متأخرة ،وفي اليوم التالي يمضيّن اوقاتهن في التسكع و شراء الملابس.اما صيفاً فتضيق بهن خارطة الوطن و يغادرن الى بلاد بعيدة،في حين ان الاولاد افسدتهن الوالة الحنونة، باغداق المال عليهم كالمزراب بلا حساب حتى غدت النوادي الليلية مربط سياراتهم،فيها يتعاطون اخر ما توصل اليه علم الهلوسة من مخدرات،والخوف من اصابتهم بالايدز. 

مشكلة المشكلات ان الفساد غير قابل للتجميل او التبرير الا في بلادنا.فاولمرت رئيس وزراء العدو الاسرائيلي السابق، يُسحب من اذنه الى المحكمة، ويقف في قفص الاتهام ببدلة المساجين كباقي اللصوص. وفي قاعة المحكمة ،يتهمه القاضي "روزان" بالخيانة والفساد والرشوة.فالرشوة كما وصفها القاضي بالنسبة لمسؤول كبير يحتل مركزاً متقدماً،يتربع على راس الهرم السياسي هي خيانة لشرف الموقع المؤتمن عليه،فاصحاب هذه المواقع الحساسة يجب ان يكونوا انقى الناس، ليكونوا القدوة والمثال للموظفين الآخرين. كلمات القاضي بتجريم رئيس الوزراء السابق اولمرت، هزت الشارع الاسرائيلي الذي رفع شعار "توقفوا عن فسادكم ايها الفاسدون".واحتلت عناوين الصحف وحوارات الفضائية.الانكى ان ثلاث كلمات ـ خيانة،فساد رشوة ـ ، لم تشطب مستقبل اولمرت السياسي،بل تاريخه الماضي ايضاً، الممتد لاربعين عاما في خدمة اسرائيل.تُرى ماذا نقول نحن عن الفساد الذي اصبح وباءً صعب البراء،وداءً بالغ الاستعصاء ؟!. 

مثلُ آخر ساطعٌ عن الفساد يجسده " الحاج جامي"،ملك مملكة غامبيا الافريقية.حاكمٌ يمثل ذروة الانحطاط في السلوك،وقمة الافراط والتفريط باموال الدولة،والتلاعب بالميزانية،من دون محاسبة او مُساءلة لانه فوق القانون والدستور والشعب.نَصّبَ نفسه مؤخراً اميراً للمؤمنيين ـ على طريقة الحُكام العرب ـ ، حيث كلّف احدى الدول بتصنيع تاج ضخم من الذهب الخالص ليعتمره على راسه الفارغة في المناسبات الوطنية و الاعياد الدينية. المُضحك ادعاؤه الحصول على حرز رباني من خاتم سيدنا سليمان، يُحصّنه شر الاعداء،ويمنع عنه كيد المؤمرات،و إبطال الانقلابات،ويضمن له عمراً مديداً وبقاءً في السلطة حتى الممات.الاغرب ولعه بالنساء،فهو يتزوج على سنة الله ورسوله اربع فتيات صغيرات،ويستبدلهن باربع اخريات كلما استبد به الممل،ضمن دورة جنسية مشحونة بشبق نادر.للعلم فقط، فان الحاج/ يحيى جامي/ ملكُ على اصغر و افقر دولة على الكرة الارضية. 

من باب التذكرة ليس الا، نُذّكر الغافلين بقصة رئيس الاورغواي "خوسيه موخيكا" المكرورة، التي تُذكّرنا بالسلف الصالح رضوان الله عليهم.هذا المواطن يناضل من اجل الدخول في موسوعة جينس كافقر رئيس في العالم.رئيس زاهد ليس له حسابات مصرفية في البنوك الاجنبية، ولا ارصدة ضخمة في المصارف السويسرية، يتبرع شهرياً بـ 90% من راتبه للجمعيات الخيرية،ويكتفي بحوالي الف دولار، وهو سعيد بهذا المبلغ لانه يكفيه مبرراً ذلك بان غالبية شعبه تعيش على اقل من هذا المبلغ بكثير.اللافت انه يمتلك سيارة فولكس فاجن لا تصلح "خماً للدجاج" لكنه سعيد بها كما يقول لانها تقضي حوائجه على احسن ما يكون ولا تخذله في الازمات . 

من تعاليم هذا المعلم الزعيم "خوسيه موخيكا": لكي تكون قائداً مثالياً، يجب ان تبدأ بنفسك،فكان خير قدوة لشعبه،ففي عهده احتلت الاروغواي المركز الثاني الاقل فساداً، بين دول امريكا اللاتينية. سيرة الرجل تعيدنا الى سيرتنا الاولى، يوم تسلم سيدنا الفاروق رضي الله عنه، كنوز كسرى كاملة غير منقوصة،فحمد الله على امانة جُندِهِ،فرد عليه صحابي جليل: " يا امير المؤمنين عففت فعفوا ولو رتعت لرتعوا ". معلم البشرية كافة سيدنا محمد صلوات الله عليه، كان يحضنا ان نطلب العلم ولو في الصين لنواكب العلم اينما يوجد.وها نحن نبحث عن القدوة في الاوراغواي :" فما شبع غني الا بما جاع فقير". لكن الحق اقول و اقول الحق :" ان ارتباط الضمير الانساني بالله،هو خط الدفاع الاول في أي تربية حتى تتساوق مع الفطرة الانسانية،ووظيفة الدين". 

ذات اللعبة حدثت في ايطاليا. بقوة القانون،وسلطة الدستور، واستقلالية القضاء، وضغط الصحافة، ومراقبة البرلمان، قوى جبارة تظافرت لتجبر الملياردير الايطالي ورئيس الوزراء السابق "برلسكوني" على ارتداء بدلة عامل نظافة وتحميله مكنسة في يد ومكنسة اخرى على صندوق القمامة لتنفيذ محكوميته بالخدمة العامة،ومسح بلاط الحمامات في دور العجزة لثبوت تهمة التهرب الضريبي عليه،اما نحن فقد بلعوا البلد ولم يجرؤ احد على مجرد استجلابهم للبلد، او محاكمة حرامية البلد داخل البلد."و اللهِ لو ان فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".صدقت سيدي يا رسول الله،فلا احد فوق القانون و لا شفاعة في حدود الله. 

الفاسدون عندنا اصبحوا قوة اقتصادية ضاربة،عصية على المواجهة.هذا ما يعرفه كل من يتابع الشان العام، وخاصة الاجهزة المختصة. بينما ترزح على الضفة الاخرى، بؤر فقر آخذة في الاتساع. فهل هذا "من فضل ربي" ام بفعل شياطين المتنفذين،و غياب العدالة الاجتماعية،و تحالف سلطة القوة مع قوة الثروة ضد عباد الله المستضعفينن. فالواحد من هذه الشريحة على استعداد ان يقتل فيلاً ضخماً،ليصنع مشطاً من انيابه العاجية كي يمشط قرعته الصدئة من دون اعتبارات لنتائج فعلته المشينة. ما يبعث على الحيرة كيف نُفسر،الهياج الشعبي في الشوارع و صراخ جمهور الملاعب، وتكسير الكراسي ،وتحطيم السيارات والمطالبة بإقالة المدرب عندما ينفرد لاعب بمرمى الخصم،و يفشل في تسجيل هدف،بينما يُصاب هؤلاء و اولئك بالخرس على ظلم السفلة لهم وسرقاتهم المكشوفة للوطن والمواطن . فهل السكوت هنا استمراء للعبودية ام التلذذ بالالم ؟!. 

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.