وما ادراك ما العقبة ....فك رقبة!!

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2009-08-05
2710
وما ادراك ما العقبة ....فك رقبة!!
بسام الياسين

بسام الياسين علماء القرون الوسطى كانوا يحلمون بتحويل المعادن الرخيصة الى معادن نفيسة، وتحويل الحديد الى ذهب ثمين، لكنهم لم يفحلوا، الا ان الانسان المعاصر افلح في قلب المعادلة بتحويل الصحارى الى جنات يانعة، والاماكن المهجورة الى مدن آهلة بالسكان، وعامرة بالمصانع التي تضج بالحياة وتنتج الذهب.

 الذهبي هو الاخر حلم بان ينثر رمال العقبة ذهبا، وان تصبح منطقة تنموية ومركزا   تجاريا، وميناء حيويا، ونقطة جذب استثمارية، وكان له بعض ما اراد، ونهض هذا الحلم على اكتاف العمال، بالعمل الموصول والعرق الغزير، والتعب المجبول بالفرح هؤلاء هم احق الناس بقطف ثمار جهدهم، وحصولهم على الحقوق الاساسية للعامل كالسكن والتأمين الصحي والتقاعد والمكافآت والتعويض والمواصلات.
 العمال المعتصمون في مؤسسة الموانئ في العقبة لم يتلقوا غير الوعود، ولم يقبضوا سوى الاكاذيب، ولم يحصلوا الا على الوهم، فيما المدراء واصحاب الكراسي العالية، الجالسين تحت «المكيفات»، ممن يمضون دوامهم في احتساء ما طاب لهم من «المكيفات» حصلوا على منح مالية كبيرة، وامتيازات يسيل لها اللعاب. اليست مفارقة طبقية ومهزلة سياسية استنزاف اعمار العمال، وامتصاص دماءهم ثم ضربهم واهانتهم وشتمهم وبعدها التكرم بالافراج عنهم، وهم هم الذين اكتووا بلهيب الشمس، وتقشرت ايديهم، وتسلخت جلود وجوههم، وتيبست شفاههم من حر العقبة وملح بحرها في حين ان «الكبار» اصحاب الايدي الناعمة، والياقات المنشأة، والساعات المذهبة ينعمون بالخيرات ويسرقون تعب الصغار وجهدهم، ويخطفون لقمة ابنائهم ما يثبت ذلك هو ما توارد على لسان الذهبي انه مستاء من شراهة ذوي البطون الجرباء لتكالبهم على المناصب، والركض خلف المنافع، والاقتتال على المكاسب.
في الاسابيع الاخيرة شاهدنا نمطاً متصاعداً من الافراط في استعمال القوة من رجال الدرك في فض الاعتصامات، اخرها استخدام اقصى درجات القمع مع عمال الموانئ المطالبين بحقوقهم المشروعة، وتبني سياسة الهراوات والقناوي والعصي المقدودة من السنديان والبلوط في مواجهة ابناءنا مما ساهم في تفاقم الازمة واساء الى صورة الدولة وهز قناعة الناس بالقانون، حيث جرى امام خلق الله كافة تأبين الديمقراطية، وتكفين حق التعبير المكفول دستوريا . وللاسف فان الشعب الاردني لم يعرف اين ولمن يقدم العزاء.
 الحياة بالاكراه كما يقول علم الاجتماع، سياسة خاطئة لها عواقب وخيمة، ومن باب تعريف المُعرف، ان المواطن هو هدف التنمية وغايتها، وليس دابة مدجنة تم اقتناؤها «للضرب والحلب» ومن غير المنطقي ان تقف السلطة التنفيذية ورجال الدرك في خندق الكراهية المعادي للناس.
ما حدث في العقبة كانت له اصداء مدوية في الرمثا، وما جرى امام «الزراعة» كانت له ردود فعل جارحة في الاغوار، ولا حاجة للحديث عن التصرفات اللاحضارية مع اهل الطيبة الطيبين الذين جاءوا ليشتكوا عطشهم ،وجفاف حلوقهم بطريقة حضارية. بكل الالم نتساءل منذ متى كانت العصا بديلا للحوار، والضغينة تقوم مقام المحبة؟! الم تمنع دول العالم كافة استعمال العصا في المدارس بما فيها المدارس الاردنية لمعاقبة الطلاب الصغار؟ ولماذا لا زال رجال الدرك يستعملونها مع الاباء الكبار؟!.
 ولماذا لاذوا بالصمت امام من كادوا ان يشعلوا فتنة اقليمية مدمرة باثارة شعارات مسيئة للوحدة الوطنية هزت مشاعر ستة ملايين اردني وملايين العرب، وهي جريمة منكرة بكل المقاييس لانها دعوة للانقسام والتشرذم والبغضاء والعصبية النتنة. اين الحكماء والعقلاء والساسة الحريصون على شعرة معاوية؟ ام ان تلك الشعرة اصبحت نكتة تراثية تستدعي الضحك لان معاوية كان اصلع الرأس ، فاضطر لانتزاع شعرة من موقع آخر في تعامله مع الناس، واعتمد عصي الخيرزان لتفريق اكبر مظاهرة للفقراء في التاريخ قادها الفقير الاول الذي لم يجد كفنا عند موته ذلك هو الصحابي الجليل ابو ذر الغفاري للاحتجاج على نهب الكبار اموال بيت المال في دمشق ايام معاوية بن ابي سفيان واستئثارهم بالسلع والاطيان وحرمان المواطن منها.
عمال الموانئ في العقبة لم يطالبوا بمعجزة الاحسان   الرسمي بل طلبوا حقوقهم المشروعة فهل جزاؤهم هطول القناوي على رؤوسهم مثل «زخ المطر»؟! اننا كمراقبين للاحداث نطالب باجراء جراحة نفسية عاجلة لاستئصال الكراهية من النفوس، فالاردنيون ولدوا احرارا، وهم مجبولون على العزة والكرامة والمروءة، اما قابلية الاذعان وطأطأة الرؤوس فهي طبيعة العبيد لانهم مفطورون على العبودية فمتى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارا، قالها العادل عمر بن الخطاب قبل اربعة عشر قرنا ونقولها اليوم؟! ان الله لم يخلق العصا للتنكيل بالبشر واذلالهم انما هي للتلويح للاغنام، وزجرها دون ضربها وايذائها كما قال الله في محكم كتابه : «قال هي عصاي، اتوكأ عليها، واهش بها على غنمي» صدق الله العظيم.
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.