مدارس وجامعات مكانك سر

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2009-09-03
1302
مدارس وجامعات مكانك سر
طاهر العدوان

لا اعتقد, وأجزم ان غيري كثيرين, بان مشكلة التعليم العالي, والتعليم في مستوياته الادنى من الروضة الى الثانوي هي في سن قوانين جديدة, مثل قانون التعليم الاخير, ذلك ان ما يجري بالفعل هو »صراع على السطح« ظاهره اصلاح وتطوير وباطنه تشكيل إدارات, ومجالس أمناء, وتعيين رؤساء تحت شعار تعزيز استقلالية الجامعات حينا, والسيطرة على ادارات الجامعات حينا آخر. فلا جديد تحت السماء.

 ما يحتاجه التعليم بكل مستوياته هو اصلاح النهج والمناهج. اي تغيير مفاهيم التعليم واساليبه عند الاساتذة والهيئات التدريسية, وتغيير المناهج التي يُكَبّ عليها الطالب منذ نعومة اظفاره حتى تخرجه من ابواب الجامعة.
 
اكتفي بهذه المقدمة وادعو القارئ ليتمعن فيما كتبه الدكتور هشام شرابي- رحمه الله- قبل ثلاثة عقود, في كتابه القيمّ »مقدمات لدراسة المجتمع العربي«, ومن المعروف ان شرابي عاش وعمل في الجامعات الامريكية معظم سنوات حياته. اما كتابه المذكور فقد الفه تحت وقع هزيمة حزيران المذلة والمخزية, وقد اراد به البحث عميقا في اسباب هزيمة امة مثل الامة العربية امام دولة مسخ وصغيرة محاصرة مصطنعة اسمها اسرائيل. فلم يجد غير ما يعانيه المجتمع العربي من اساليب قديمة في التعليم وثقافة مسيطرة متخلفة.
 
اراد شرابي ان يضع فكرته وتجربته التي اكتسبها من العيش وسط مجتمع غربي قوي متحضر في خدمة أمته, التي رأى انها تواجه تحديا حضاريا لا يمكن ان تنجح في الاستجابة له ومواجهته ان لم يتطور المجتمع العربي في ثلاثة اتجاهات 1- علاقاتنا بأطفالنا 2- علاقاتنا بالمرأة 3- علاقاتنا ببعضنا بعضا.
 
عن تربية وتعليم الاطفال يقول »هناك ارهاب مباشر في التعليم, عن طريق التلقين كطريقة يتعلم فيها الطفل التسليم, اي انه يحفظ الاشياء, دون تساؤل او تفهم فيصبح العقل اداة ترداد وحفظ بدلا من ان يكون وسيلة تحليل ومعرفة ونقد. ان التلقين يحد من نمو الاطفال الذهني الطبيعي ويؤدي الى الكبت الذهني الذي ينمي نزعة الامتثال والتسليم والاتكالية«.
 
منذ سنوات اسمع دعوات داخل الجامعات وخارجها للقضاء على اسلوب (التلقين) في التعليم, لكن ما حدث بالفعل هو تزايد ضغوط الامتثال والتسليم والاتكالية على الطالب في المدارس والجامعات. ذلك لان النهج والمنهج بقيا على حالهما, في المسيرة التعليمية.
 
يتابع شرابي »اذا لم نتمكن من ان نضمن لابناء الجيل الطامح الحرية والاستقلال ليتعلموا دون ضغط او الزام ويتحملوا مسؤولية اعمالهم ومشكلاتهم دون خوف او تهرب فاننا لا نستطيع ان نغيّر في المجتمع سوى مظاهره الخارجية. عندئذ نبقى كما نحن عائلات وعشائر وطوائف متنافرة في مجتمع متفسخ عاجز عن مجابهة التحدي الحضاري«.
 
ان ما تشهده الجامعات اليوم وكذلك المجتمع من تفسخ على مساطر تقسيمات عشائرية ومناطقية تتدفق مياهها الآسنة الى قلب المجتمع والدولة خارج اسوار الجامعات هو برهان بان شيئا لم يتغير وان التوسع التعليمي مجرد مظاهر خارجية تأخذ شكل عدد الجامعات الكبير, بينما التفسخ يتفاعل. لقد سمعت من كثير من الاباء كيف ان ابناءهم كانوا اكثر فهما لمعاني الوطنية والمواطنة والمساواة والعدالة قبل ان يرسلوهم الى جامعات تخرجوا منها وهم (فخورون) بانهم اكتشفوا انهم عشائريون وطائفيون واقليميون.
 
واعود الى ما عناه بمعضلة (علاقاتنا بعضنا ببعض), يكتب شرابي »ان الشكل السائد في بنية العائلة العربية الكبيرة ان الطفل ينمو وشعوره بان مسؤوليته الاساسية هي تجاه العائلة لا تجاه المجتمع. والمجتمع لا يمثل سوى عالم الصراع والكفاح الذي ينتزع الفرد لنفسه فيه مكانا ليدعم كيانه وكيان العائلة« ثم ماذا نحن غير هذا?
 
في الختام, ادعو الى ان يتحول كتاب »مقدمات لدراسة المجتمع العربي« الى رفيق لكل معلم واستاذ جامعي, لعل وعسى ان يكون مفيدا في الدفع باتجاه تعميق التفكير في إعادة بناء المناهج من الاساس وتغيير اساليب التعليم بالكامل بما يكفل نشوء اجيال قادرة على مهمة التحدي الحضاري حتى لا نظل مكانك سر وندور حول انفسنا.
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.