ثقافة الاعتذار وطبيعة الاستبداد

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2009-09-30
1703
ثقافة الاعتذار وطبيعة الاستبداد
عبد الهادي الراجح

لقد جرت العادة في الدول الديمقراطية المتحضرة أن يعتذر أي مسؤول قصر في واجبه أو ارتكب خطأ ما في حق شعبه والأمانة التي يحملها، حيث أن هذا المسؤول يحاسب أمام الشعب وحتى المحاكم مهما كان موقعه ومكانته، والأدلة والبراهين كثيرة، وليس للحصر مثلاً: أن أحد وزراء دفاع اليابان قدم استقالته ذات يوم لأجل طائرة عسكرية سقطت وقتل طيارها واعتبر الوزير نفسه مسؤولاً لوجود خللاً ما بالطائرة، وهذا وزيرا في السويد يقدم استقالته لوجود شبهة فساد في وزارته، ووزير الدولة البريطاني يقدم استقالته احتجاجاً على قيام بلده بالعدوان الثلاثي على مصر عبدالناصر عام 1956، معتبراً ذلك عملاً غير أخلاقي، وكذلك في فرنسا قدم أكثر من وزير استقالته احتجاجاً على العدوان الثلاثي الإجرامي ذاته، والرئيس الأشهر في تاريخ فرنسا شارل ديغول نفسه استقال بعد مظاهرات 1968 الشهيرة بفرنسا، وفي عالمنا العربي نجد الزعيم الخالد جمال عبدالناصر رحمه الله يتنحى أمام شعبه وأمته بعد نكسة حزيران الأليمة عام 1967، ويجبر على العودة بضغط شعبي عربي اجتاح الأمة من المحيط إلى الخليج، وفي الولايات المتحدة تدفع شركة الأدوية الأمريكية سايزر مبلغ يزيد عن المليارين لأجل تسوية قضية فساد، حيث روجت الشركة لبعض الأدوية بشكل غير قانوني، ودفعت رشاوي، وقد اعتذرت هذه الشركة عن الخطأ، وقدم كبار موظفيها للعدالة بعد أن دفعت غرامة تزيد عن المليارين.
 
 أما في عالمنا العربي، ونريد هنا أن نتحدث عن الأردن في القرن الواحد والعشرين، والأردن هو وطننا الذي نعيش على ترابه الطاهر، ونفتديه بالمهج والأرواح، ونتساءل كم قضية فساد جرى تغطيتها؟ وكم هو حجم المحسوبية والفساد الذي أصبح كالماء والهواء في أردننا الحبيب؟ والهروب من المسؤولية هي الصفة الأساسية لكل الحكومات الأردنية المتعاقبة منذ عصر الاستقلال وحتى اليوم، وقبل فترة قريبة اتهم وزير الداخلية أكثر من ثلاثة آلاف عامل من عمال مؤسسة الموانئ بالعمالة للكيان الصهيوني المجرم، بسبب اعتصامهم السلمي لأجل المطالبة بأبسط حقوقهم العمالية التي جرى هضمها، وللأسف مرت الاتهامات هكذا بلا أي مسائلة أو محاسبة إذا كان الاتهام صحيحاً، أو الطلب من الوزير إثبات ما ادعاه وهو يعلم أن الصهاينة المجرمين لا يدخلون الأردن إلا بحراسة وزارة الداخلية، ولعل إنقاذ ما قيل عن عدد من الصهاينة الذين قيل أنهم تاهوا في أحد المناطق وأنقذتهم وزارة الداخلية، إضافة لقيام الوزير نفسه بسحب الجنسية من عدد من المواطنين الأردنيين وبشكل غير قانوني وغير دستوري، وقبل ذلك سحب الوزير نفسه الجنسية الأردنية من المجاهد خالد مشعل ورفاقه، وطُلب منهم مغادرة الأردن، وكانت دولة قطر هي البديل عن الأردن بكل خصوصيته الجغرافية والسكانية وقربه من فلسطين، واستقبلت الحكومة الأردنية للأسف ولمرات عديدة المجرم الصهيوني داني ياتوم رئيس الموساد الذي حاول اغتيال المجاهد خالد مشعل قبل مغادرة الأردن في قلب عمان ضارباً بعرض الحائط السياسة الأردنية، وما قيل عن معاهدة سلام ترطب الأردن بهذا الكيان الصهيوني المسخ، ومعظم الوزراء لا يختلفوا شيئاً عن هذا الوزير، لأن الاستبداد طبيعة لدى الحكومات الأردنية.
 
فهل يخبرني أحد عن حالة فساد واحدة جرى محاسبة مرتكبيها، حيث الاستبداد والدكتاتورية هو الحاضن الأساسي للفساد والمحسوبية والاعتداء على حقوق الإنسان، والاعتذار هو ثقافة الكبار من الرجال والأمم المتحضرة، وهذا الخليفة العادل عمر بن الخطاب يأمر عاملاً مصرياً بسيطاً بضرب ابن عمرو بن العاص لأنه ضرب العامل المصري البسيط في سباق للخيول بينهما، وعمر بن الخطاب يقول للعامل المصري (اضربه واضرب أباه إن شئت لأنه لولا سلطة أبيه ما ضربك)، أين نحن من تلك القيم العظيمة.
 
انظروا ماذا تفعل حكومات الاستبداد والدكتاتورية بكل الوطن العربي، وكيف يهان الإنسان كما حصل في قمع ما يسمى بقوات الدرك للعاملين في مؤسسة الموانئ، حيث جرت ملاحقة العمال حتى في سوط سوق مدينة العقبة والفنادق، وبعد ذلك يخرج الوزير الهمام ليتهم العمال الغلابا بالعمالة للكيان الصهيوني المجرم، الذي أصبح صديقاً تربطه بالحكومات الأردنية وليس بالشعب الأردني الأصيل معاهدة اسمها لا مؤاخذة معاهدة سلام، وقبل ذلك هل اعتذر من وقع معاهدة وادي عربة من الشعب الأردني الذي 95% منه ضد تلك المعاهدة، التي جاءت على غرار كامب ديفيد المشؤومة وشقيقاتها، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
 
وبعد، يقول كنفوشيوس حكيم الصين العظيم (عندما تغيب الحقيقة تصبح كل الأشياء ممكنة).
 
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.