الجنرال دايتون و"كوب الأمن الملآن"

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2009-10-07
1274
الجنرال دايتون و"كوب الأمن الملآن"
طاهر العدوان

احدى مقولات الموقف المتداعي للسلطة الفلسطينية التي واكبت مهمة الجنرال دايتون من البداية, ان "الاسرائيليين يتخذون دائما من عمليات المقاومة مبررا لهجماتهم المستمرة على الفلسطينيين وسببا لرفضهم تنفيذ البند المتعلق بوقف الاستيطان في خارطة الطريق". سمعت ذلك من احد رجالات السلطة دفاعا عن مهمة الجنرال, ويضيف "كنا نملأ نصف الكوب الامني في الضفة, لنترك الكوب كله في يد دايتون والاسرائيليين, عندئذ لا حجة لهم في رفض مطالبنا".

 مضى اكثر من عامين على مثل هذا الكلام, خلالهما, لم تقتصر مهمة دايتون على ترويض قوات امنية تنسحب من شوارع المدن الفلسطينية ليلاً, عندما يُشعرها جيش الاحتلال انه قادم في مهمة خاصة "غالبا لقتل او اعتقال رجال مقاومة", انما تعدت المهمة, كما يبدو, الى ترويض الشارع الفلسطيني, وكبت انفاسه.
 
نجاح دايتون, في ملء الكوب الامني تم بنسبة مئة بالمئة, وخلو المدن الفلسطينية في الضفة من اي مظاهرات ومظاهر غضب احتجاجا على محاولات تدمير الاقصى واقتحامه, هي مثال على ما آل اليه النضال الفلسطيني من مهمات واهداف, ويوم الجمعة الماضي, فيما كنا في الصحافة نترقب مظاهرات احتجاج في الضفة المحتلة تحت شعار "الغضب من اجل الاقصى" تلبية للنداء الذي اطلقه الشيخ رائد صلاح "من أم الفحم" فوجئنا بتواضع الاحتجاجات بل بغيابها.
 
على ان تسليم الكوب الامني "ممتلئا" الى دايتون لم يدفع قادة اسرائيل من اولمرت وليفني الى نتنياهو الى تقديم اي مقابل ولو من باب »حسن النوايا«, فالعمل في الجدار العازل لم يتوقف, والحصارات والحواجز على حالها, والاستيطان في ذروته, اما الافصاح عن الخطط السوداء تجاه الاقصى فقد بدأت تقترن بالاعمال, أنفاق وجرافات وتهجير سكان الشيخ جراح.. الخ.
 
كل هذا يدل على بؤس المرحلة, وانقلاب المفاهيم وتغيّر الادوار, وحتى شهر مضى, كان كل من حمل هم النضال الوطني الفلسطيني وتابع مسيرته يفرق بين سلطة رام الله وحكومة فياض من جهة, وبين حركة فتح ومنظمة التحرير من جهة اخرى, كان ذلك يبقي الامل قويا, لكن يبدو اننا في عهد آخر, فالجنرال لم ينجح فقط بملء الكأس الامني, انما خلق الارضية والمناخ لملء الكؤوس الاخرى, التي جعلت القدس بعيدة جدا عن مشاعر حكام "المقاطعة" المجاورة في رام الله.
 
اشعر بالحزن وانا ارى "سنديانات" نضالية و "رموزا" وطنية تتهاوى على مسرح عبثي لقضية, ليست وطنية وقومية فقط, انما مقدسة, وكيف ان المناضلين انقلبوا على تاريخهم وابتعدوا عن مبادىء لازمت مسيرة فتح التي هي غير عادية بكل المقاييس, لم يكونوا زعماء حزب فشلوا في الانتخابات فأرادوا تغيير برنامجهم, ولم يكونوا قادة فصيل سلمي من اجل تحرير وطنهم, بل كانوا, وهذه هي الطامة الكبرى, قادة مسيرة سالت فيها دماء الفلسطينيين شلالات وانهارا, ومعها دماء لبنانية وعربية, قادوا ثورة حولت مدنا واوطانا الى ميادين حروب دمّر فيها العدو, الحجر والشجر عدا الانسان. انها تكلفة بشرية ومادية باهظة من التضحيات, لكنهم يقايضونها بحفنة ادوار واوهام, ودولارات ايضا.
 
ما كان لهؤلاء, ان يقبلوا بمهمة دايتون حتى لو قبلت مثلها دول وشعوب العالم بأسره, قضيتهم فريدة ولا سوابق لها حتى يستشهدوا بمثلها لتبرير تسليم كأس امنهم الوطني وامن كل فلسطيني للجنرال الامريكي ودوائر الأمن الاسرائيلية.
 
اشعر بالحزن لسقوط هؤلاء المناضلين بل لصورة فلسطين أم الشهداء وهي تترنح في ظل قيادات استسلمت للاضطهاد وتنازلت للاحتلال ورضيت بالقيود تكبل ارواحها واجسادها متناسية انها على رأس شعب لم يعرف غير فضيلة الشجاعة والاستشهاد. وبهذا كان صموده الاسطوري على مدى قرن ولا يزال اهم قوة, قوة لا تعوض في رفض امر واقع مصطنع اسمه "دولة هيرتزل". رفض لا تستطيع اسرائيل ان تعيش آمنة معه, او تكتسب شرعية بوجوده فأي جرأة امتلكوها لوضع هذا الرفض, هذه المقاومة, هذه الانتفاضة في كأس دايتون!?.
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.