حماس وفتح .. صيف وشتاء فوق صفيح واحد

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2009-10-21
1413
حماس وفتح .. صيف وشتاء فوق صفيح واحد
عريب الرنتاوي

في الصراع المحتدم بين فتح وحماس ، والذي بلغ خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة ذروة غير مسبوقة ، نجحت الأخيرة في تسجيل هدف محقق في مرمى الأولى ، مستفيدة من "خطيئة جنيف" وأسبوع الارتباك و"التأتأة" وفقدان الصدقية الذي أعقبها ، لكن سرعان ما استردت فتح زمام المبادرة ، وردت الصاع صاعين لحركة حماس بتوقيعها غير المتردد على الوثيقة المصرية ، وظهورها بمظهر "أم الولد" والحريص على الوحدة الوطنية ، وراعية القرار الوطني المستقل ، مقابل "انقلابية حماس" و"ظلامية إمارتها الغزاوية" ، وارتهانها لأجندات خارجية تبدأ بسوريا ولا تنتهي بإيران مرورا بقطر بالطبع.

 منذ الثاني من تشرين الأول الحالي ، كانت فتح ، المنظمة ، السلطة والرئاسة في وضع حرج للغاية ، وقد عمّق من حرج هذه الأطراف جميعها ، اندلاع "انتفاضة فلسطينية" حقيقية ضد الأداء المرتبك والمتخاذل للسلطة في معركة "تقرير غولدستون" ونجحت حماس في قطف ثمار "الفضيحة" واستثمارها ، وبدا أن سفينة الذين اتخذوا القرار ـ الفضيحة في جنيف قد ثقبت ، وأن ركابها قد أخذوا بالتقافز من على سطحها ، بدءا بقادة فتح الذين تنصلوا من رئيس حركتهم ، مرورا بأعضاء اللجنة التنفيذية الذين تحدثوا عن "الخطأ المرتكب والحاجة لتصحيحه" وانتهاء بحكومة تصريف الأعمال التي نأت بنفسها عن الرئاسة ، مع أنها تفضل - حين تكون السماء صافية - أن تسمي نفسها "حكومة فخامة الرئيس" ، ولم يبق أحد في رام الله من دون أن يتنصل من المسؤولية ، حتى الرئيس نفسه فعلها ، وألقى بها على العرب قبل أن يسترد أنفاسه ومعها زمام المبادرة ، ويشن هجوما متواصلا وغير مألوف على حركة حماس ، طوّره في اجتماع المجلس الثوري لفتح ليشمل طيفا واسعا من حلفائه ومناصريه كذلك.
 
ومما زاد الطين بلة ، أن شهر أيلول كان قد انتهى على ارتفاع نبرة التفاؤل التي أشاعها خالد مشعل في القاهرة عن قرب استعادة الوحدة الوطنية ، واستتباعا عن تحسن غير مسبوق في العلاقة بين حماس ومصر ، ما زاد في ضيق فتح وتأزم الرئاسة ، وجعل من أزمتها مع تقرير غولدستون ، أزمة مضاعفة أو مركبة.
 
لكن الحال لم يبق على هذا المنوال ، فالسلطة تداركت مأزقها في جنيف ، والتقرير أقر في مجلس حقوق الإنسان ، وهو على حد زعم المصادر في رام الله ، سيتابع حتى النهاية ، وعند هذه النقطة بالذات ، وقعت التدخلات الدولية ، ودخل جورج ميتشيل على الخط ، وحسمت القاهرة أمرها ، ولم تعد مهتمة بتأجيل التوقيع بضعة أسابيع كما توقع أبو الغيط حتى تنجلي "غُمة غولدستون وتقريره" ، بل صارت أكثر استعجالا من قبل ، وأصبحت الورقة المصرية مطروحة للتوقيع وليس للتفاوض ، وأعلنت القاهرة أنها لن تنتظر حماس للأبد ، وحملتها مسؤولية تعطيل المصالحة والحوار ، والخضوع تارة لأجندات خاصة وأخرى إقليمية ، وكل ذلك في غياب "الرواية" الحمساوية لما جرى ويجري ، بل وفي ظل وجود روايات مرتبكة وغير مقنعة تذهب شرقا وغربا في التحليل والاستنتاج ، مكنت خصوم الحركة ومجادليها من الإمساك بها في لحظة ضعف وارتباك والظفر عليها بالنقاط.
 
انتعشت رام الله على وقع التأزم في العلاقة المصرية الحمساوية ، واخذ قادة السلطة وفتح يتبارون في إبداء الأسف لما فعلته حماس بمصر خدمة لأجندات خارجية ، وردد صدى هذه المعركة نفر من "المحافظين الجدد" في الصحافة والإعلام العربيين ، وأطلت علينا رموز كريهة بعضهم اعتبر أن من حسن الحظ والطالع أن يعلن من جانب واحد عن موعد الانتخابات المقبلة ، بل وأن تتم بدون القطاع ومن غير حماس ، وثان يتهم حماس بأنها تقف على مخزون من الكذب يفوق ما لدى نتنياهو.
 
فتح على ما يبدو ، خرجت تكتيكيا من عنقي زجاجتين اثنتين ، وليس من عنق زجاجة واحدة ، فهي وضعت تداعيات غولدستون خلف ظهرها من جهة ، وهي رمت بكرة المصالحة الملتهبة في حضن حماس وبين أيديها من جهة ثانية ، فيما حماس تواجه اليوم مأزقا مركبا ، فهي مسؤولة أمام شعبها عن تعطيل المصالحة ، وهي أمام المصريين الخصم الذي ينبغي أن يعاقب بقسوة لتطاوله على دور مصر ، والأرجح أن "عش الدبابير" الإقليمي والدولي الذي ثار في وجهها اليوم ، سيواصل ثورانه في قادمات الأيام.
 
وأحسب أن الحركة مرشحة لمواجهة عقوبات جماعية مركبة منها: تشديد قبضة الحصار المصري على قطاع غزة ، التضييق على حماس وحرية تحرك قادتها وكوادرها ، تأخير صفقة شاليط ، تأخير حل مشكلات الحصار والمعابر وإعادة الإعمار ، بهدف مفاقمة الصعاب في وجه الحركة ، استكمالا لمعركة إسقاطها.
 
وليس مستبعدا أبدا أن يجري الإعلان عن إجراء الانتخابات من جانب واحد ، وبمن حضر ، فيكون القطاع إقليما متمردا ، وتنتفي الحاجة لإعادة انتاج "سيناريو قرضاي الانتخابي" ، وتحسم المعركة قبل أن تبدأ ، وليس من الجولة الأولى فقط كما في الحالة الأفغانية.
 
على أية حال ، لقد وجدت الحركتان الرئيستان نفسيهما فوق صفيح ساخن وبارد خلال شهر واحد ، والأرجح أن الحال لن يستمر على هذا المنوال ، فالانتخابات بلا مصالحة سيف مثلوم قد يرتد على السلطة بدل أن تقطع به خصومها...والمصلحة المصرية تستوجب إتمام المصالحة الفلسطينية ، ومن دون ذلك سيبقى القطاع لغما مؤقتا في خاصرة مصر ، والأهم من كل هذا وذاك ، أن تشرين الأول ، شهر المفاجآت والتحولات ، شهر الصيف والشتاء معا ، لن يودعنا من دون أن نعرف أمرين اثنين: الأول ، استراتيجية أوباما للمفاوضات والحل النهائي للقضية الفلسطينية ، والثاني ، مضمون اتفاقه مع نتنياهو حول مسألة تجميد الاستيطان باعتبار ذلك شرطا فلسطينيا مسبقا لاستنئاف المفاوضات ، وبعدها ستهب رياح جديدة على المنطقة ، ستكون حارة على البعض وباردة على البعض الآخر ، ومن يدري فقد تتبادل الحركتان موقعيهما ومأزقيهما ، ولننتظر لنر.
 
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.