العروبي!!

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2009-12-15
1401
العروبي!!
بسام الياسين

كان ابو عرب يحب الاطفال والاشجار والارض. وكان حريصا على ان يملأ جيوبه بالحلوى. واذا ما التقى احد الاطفال في طريقه صدفة، دس يده في جيبه، وناوله حبة منها، ومسح براحة يده على رأسه. اعتاد الاطفال على "ابو عرب" واحبوه، ولفرط حبهم له، كانوا ينادونه - عموه - وبدافع حبه للاشجار، كان يؤلمه ان يكسر احد الناس غصناً او يقطع شجرة حتى لو كان الامر ضرورياً لفتح شارع، او اقامة مبنى.

 كان منظر الكسر يؤلمه، وكأن ضلعاً من اضلاع صدره يُكسر او او ان ضرساً من فمه يُقلع دون تحذير. لا احد يعرف الكثير عن "ابو عرب"، فهو صموت بطبعه، وعلى ما يبدو انه دائم الحوار مع ذاته. ومع ذلك فان بنيان جسده المضعضع، وظهره المحدودب، وتجاعيد وجهه العميقة توحي بانطباع مغاير لحقيقة تكوينه.. كان يبدو كشجرة يابسة، تعاند الريح، وتقاوم الزمن، واظافرها الهرمة تتشبث في الارض بقوة وصرامة.
 
وكان يتراءى للناظر انه منحوت من صخرة "البازلت" القاسية، الا ان روحه كانت شفافة ومحلقة كأنها نجمة معلقة في السماء السابعة لكنها متوجعة ومعذبة، لذلك كان وحيدا ومنعزلا ولم يُذكر على مدى تاريخه، انه اشترك في جلسة سوء، او حلقة من حلقات النميمة والغيبة الا انه كثير التأمل والنظر الى الافق البعيد.
 
وبالرغم من ان الجميع يعلنون تذمرهم عندما تجف افواه الحنفيات، غير ان "ابو عرب" كان يذهب الى اقرب بقعة طاهرة، من الارض، ويتيمم بالتراب الحنون، ويقول بصوت رخيم:« اقرب ما يكون العبد الى الله عند السجود». قبل ايام افتقد الاطفال العم "ابو عرب" فتشوا عنه في كل الامكنة التي اعتادوا ان يلتقوه بها ولما يأسوا قرروا الذهاب الى غرفته الطينية النائية.
 
طرقوا الباب مرات و مرات.. ثم دفعوا الباب الواهي بايديهم ودخلوا الغرفة .. وجدوها عارية الا من سرير خشبي، وفراش خشن، وجرة ماء، وبقايا رغيف جاف، وحبة بندورة متعفنة وخريطة كبيرة على الجدار للوطن العربي الكبير مرسومة باليد بلا اسلاك شائكة، او براميل فارغة، ودون الوان سياسية وضعها الثنائي الانجلوفرنسي/ سايكس بيكو.. تحت الخارطة كانت تتمدد جثة العم ابو عرب ندية طرية كأنها مزروعة في حقل نعناع بري، تظللها شجرة دائمة الخضرة وفوقه سرب من العصافير تمروح باجنحتها حتى لا تتعفن الجثة، ويده الناحلة المعروقة تقبض على حفنة من التراب الطاهر.
 
حضر بعض المارة على صراخ الاطفال، ونقلوا الجثة التي تفوح منها رائحة النعناع الی مشرحة المستشفى لمعرفة سبب الوفاة .. ابتدأ الطيب الجراح بالقلب فوجد فيه قصيدة حب وخريطة مرسومة باليد للوطن العربي الكبير تشبه تماما الخريطة   المعلقة على الجدار.. واصل الطبيب التشريح، فتح البطن ولاحظ الناس ان وجه الجراح قد اكتسى بالشحوب وبدأت قطرات العرق تتصبب من جبينه.. سأله احدهم: دكتور هل مات ابو عرب مسموما ام قتله الجوع.؟! اشاح الطبيب بوجهه وذرف دمعتين ثم اغلق حنايا الجسد الطاهر باحترام وتبجيل مثلما يغلق المؤمن كتابه المقدس وغادر المشرحة دون ان ينطق بكلمة....؟!

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

ابو منصور16-12-2009

البطن خاوي والقلب عامر .

ابو محمد تحية لك ولـ "ابو عرب"الميت الحي .

امثال " ابو عرب" امسوا ندرةً كَنُدْرة ِ مطرة صيف . ما عاد احد يتألم لحريق غابة عمرها مئة عام , طالما لم تصله النار , او انه قد قضى وطره بالشواء تحت ظلها ونجى .

رحم الله " ابو عرب", الذي ما مات مسموما حيث لا
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

مصطفى العوامله16-12-2009

لقد أغلق الطبيب على الجرح الذي فتحة حتى لا ينكأالجراح التي تملاء جسدالوطن العربي فالجراح كثيرةوكبيرة ومؤلمة فمنها ما أصابه العفن والتيبس ، فجراح الفرقة والتشرذم والإنغلاق والتأمر والعمالة جراح مؤلمة ذات صديد تفوح منه روائح النتانة والجيف التي ترتدي البذلات الأنيقة وربطات
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

فايز عضيبات15-12-2009

جميل يا ابو محمد بالتوفيق
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.