المحرقة السياسية!!

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2009-12-23
1494
المحرقة السياسية!!
بسام الياسين

المحرقة السياسية!! «١»

 من كان مركبه قلما لا يخشى من الغرق، فالقلم عراف المستقبل الذي يستبصر ما تحبل به الايام، لذلك لن نغمد اقلامنا مثلما اغمد اهل السيف سيوفهم، وقد صدقت العرب بقولها: من ضاق صدره، طال لسانه،.. ونقول استطالت قامة قلمه، ولا نقول كما قال المرجفون: فلان لا يعوي ولاينبح من ضعفه، فنحن من استنبت الكلمات في مشاتل الامل، واستل شجاعة المواجهة من ضنك الايام، واسترق من الفقر غنى المشاعر، وعزة النفس، وكبرياء المواقف، ومن كانت هذه مقوماته فانه لا محالة سيحرق فزاعة الخوف المصنوعة من قش رخيص او قماش رديء.
ومن عزم امره على اقتحام المناطق المحظورة فهو غير قابل للتخويف، لانه ابتداء ليس عنده ارضية للخوف، حصانته الاحتراز المسبق من احابيل المسؤولين. ومراوغة السياسيين التي تدوس القيم، ولا تحفل بالذمم، ولا تعبأ بوخز الضمير.
 
الذين وقعوا في اغراءات   المناصب، وحصلوا على المكاسب، وغرقوا بالجاه، واختنقوا بالمال الحرام. يجب ان يخرجوا من الساحة، فما يعرف بالنخبة فقدت دورها وصارت فاكهتها مُرة المذاق، وجمر مواقدها بارد، كالمكعبات الثلجية التي تتساقط في كؤوسهم ، واشجار كلامهم عاقرة، اوراقها مكشوفة وسهلة القراءة لكل عابر سبيل. من هنا يجب عدم اضفاء قداسة زائفة، او هالة مبهرة على بقايا اصنام محطمة، وهياكل محنطة واذا كانت ولاية الفقيه عندنا مرفوضة جملة وتفصيلا، فمن باب اولى سقوط ولاية النخبة، فانوف الفقراء شديدة الحساسية للجوع والفساد معا فان تخمة الفاسدين جاءت على حساب شبع المعدمين.
 
من خلال دورنا الريادي التنويري في «المواجهة» المزين بطهارة المنطق والمنطلق، المؤطر بقداسة الموقف، المستند على صدقية   المشورة، وصدق الكلمة الملتزمة، ننادي بقطع الشجر العاقر، ولفظ البذار العفنة، وازالة الاذى من طريق الاصلاح، وخلع اليافطات المضللة التي تقود الى الهاوية. النكتة اللافتة ان ملف الخنازير حظي باهتمام اكثر واوسع من ملف الفساد، مع ان الفاسدين والخنازير يلتقيان بانعدام الغيرة لديهما، فالفاسد يفتقر للغيرة الوطنية، والخنزير فاقد للحمية اذا ما انتهك شرفه.
 
فكلاهما ينهلان من بئر النجاسة ومعين القذارة. الفساد بالمحصلة ليس قدرا جنينيا،  ولا حكما مؤبدا غير قابل للاستئناف والطعن، انتصارا لثقافة الفعل ودحضا لثقافة القول، آثرنا الكتابة بماء النار، لا بماء الورد، وارتأينا ان نقارن بين مثالية الحيوان وانحطاط الانسان الفاسد ودونيته. فالاسد لا يهاجم فريسته من الخلف، والجمل لا يقرب انثاه اذا شاهد احدا يراقبه ويبتعد عنها اذا كان ملتحما بها حياء من الاخر مع انه بهيمة، وكذلك القط فانه ينكس رأسه ويطأطأ وجهه خجلا اذا ضبط وهو يسرق قطعة جبنة صغيرة حتى لو كان جائعا.
 
لكن الفاسدين لا يخجلون من افعالهم بل تراهم يفتخرون   بانهم يسرقون في وضح النهار وتحت مظلة القانون رافعين الشعار العثماني القديم «مال الدولة اذا لم تستطع ان تسرقه فاحرقه» وهذا ما يحصل حرفيا هذه الايام، وبما ان القذارة تغري بالقذارة، فالتمادي صار ديدنهم ودينهم، بعد ان استطاعوا الانسلال من الثقوب والتسلل من الشقوق، فاموال الدولة - بنظرهم - سائبة بلا اسلاك شائكة، او اجراس انذار لايقاظ الحارس الذي يغط في نوم عميق شخيره يصم الاذان، ويصك الاسماع.
 
استهلال الرفاعي نشاطاته الميدانية بزيارة هيئة مكافحة الفساد يرافقه وزير العدل، كانت خير استهلال ثم تعريجه على المجلس القضائي، وديوان المحاسبة، بهذا يكون قد استكمل مربع الضغط اضلاع شفراته الاربع للاطباق على اعناق الفاسدين وشل قدرتهم على الحركة من اجل تحويلهم للقضاء. فالفساد لا يؤدي الى هرب المستثمرين فحسب كما قال الرئيس، بل انه يُقّوض اركان الدولة، فكم تساقطت امبراطوريات مترامية الاطراف بفعل قضم جراذين الفساد لبُنيانها وبلع خيراتها لذلك فان التردي المتسارع، يشير الى انه آن الاوان لـ «محرقة سياسية» وقودها الفاسدين للتخلص من النفايات والفضلات الضارة، وما على الرئيس الفتي الا ان يرفع علم الحق حتى يتبعه اهل الحق، فالناس عطاش للاصلاح، وفرحهم بشطب المجلس النيابي المزور برهان ساطع على ذلك، فالخلل موجود في كل المؤسسات والتآكل   يشل مفاصل الدولة.
 
في باكستان «الشقيقة» بلغ عدد المطلوبين   للقضاء بتهمة الفساد من كبار المسؤولين والسياسيين الى ثمانية الاف فاسد وتأسيسا على مبدأ الشك الفلسفي المشروع علميا وعمليا، واعتمادا على الطفرة المالية والقفزة النوعية لكبار المسؤولين من عقارات واراض ومشاريع وشركات وايداعات نقدية في الداخل والخارج لا شك ان لدينا الكثير من المتورطين بالفساد بطريقة او باخرى حتى ذقونهم. وبات ضروريا اللجوء الى الضربة الاجهاضية، والا فان لوبي الفساد القوي سيطالب برؤوس الشرفاء لمحاسبتهم. فهل نسمع قريبا صياح الديك ايذاناًً بشروق فجر جديد ام ننتظر بيضة الديك!!                                                               
 
المحرقة الاخلاقية «٢» 
 
الثوار يتعمدون بالنار، يتطهرون في ميادين الفروسية، يبيعون انفسهم لله، يستلهمون من عناوين الامة ورموزها الاستشهادية احلامهم الكبيرة يقبضون على البرهة الاستثنائية، ويحولون الحلم الجمعي الى حقيقة تمشي على قدمين.. يلتقطون العواطف الجماهيرية،   ويوظفونها قوة وطنية للتحرير، فهم اكثر الناس ادراكا ان العواطف وحدها لا تجر عربة التاريخ ولا تطرد غزاة الجغرافيا.
 
جميلة بوحيرد، ثائرة جزائرية محفورة بالذاكرة العربية، ومسطورة في التاريخ القومي، هي اعلى قامة من الثائرة الفرنسية «جان دارك» ولا تقل بسالة ومعاناة عن المناضل ويلسون مانديلا الافريقي/الاممي، حملت السلاح طفلة قبل ان تسقط اسنانها اللبنية، ورشقت جيش الاحتلال الفرنسي بالقنابل الحارقة، صبية لم تكتمل استدارة صدرها، فيما كان بعض الرجال يتمسحون بالاجنبي، وبعضهم الاخر يعملون لصالحه، ويتجسسون لحسابه، القي القبض عليها وهي بكامل فدائيتها وانوثتها، حكم عليها بالاعدام لكنها تحدت شفرة المقصلة، وهزأت بالسجن والسجان، وحولت اعواد المشنقة الى ارجوحة للبطولة.
 
ورغم النفي المتعمد لها عن واجهة الاعلام، الا انها بقيت الاعلى كعباًً، والاعف نفساًً، والاطهر كفا، والاكثر سماحةًً، حيث عاشت بعد التحرير زاهدة في الحياة، متمسكة بعقيدتها الراسخة، ناسكة تحت راية الحب لامتها العربية، ولم تتدخل في الشؤون العامة الا مرة واحدة حين طلبت من المالكي الافراج عن البطل منتظر الزيدي راشق الاحذية بوجه بوش السكير.. ظلت هذه المناضلة تعيش على الكفاف، وترضى بالقليل، الى ان نهشها المرض الخبيث ، وفت من عضدها، فاطلقت صرختها المدوية.. صرخة استغاثة بطلة جريحة، مريضة وجائعة، فالمرأة الحديدية التي تشامخت امام الجلاد والمقصلة، انحنت امام ذل الحاجة، وطلبت الصدقة لها، ولرفاقها الثوار الذين همشتهم الثورة، وسرقت اعمارهم نذالة السياسيين، واكاذيب جنرالات «البزنس» وغطت على تاريخهم المجيد، وعتمت على ادوارهم البطولية. صانعو الثورة يموتون جوعا، وسارقوها يصنعون الثروة، ويتعمدون بصالات اللهو في الفنادق، وقرقعة الكؤوس عوضا عن ازيز البنادق، وظلوا محتفظين بشبابهم بعمليات الشد، وتطرية جلودهم بكريمات التجميل النسائية.
 
جميلة بوحيرد. بعد قصة كفاح عظيمة، اذهلت الدنيا، وهزت الضمير العالمي هي اليوم تستجدي ثمن الدواء، وتسديد فاتورة القصاب، وتغطية حساب بائع الخضار، والعرب البائدة تصب صنابير نفطها، وحنفيات ملياراتها في بنوك امريكا واوروبا. والمخجل اكثر ان دولتين عربيتين تدفعان «٢١» مليار دولار فاتورة سلاح لعام واحد ٢ ٨ - ٢ ٩ دون ان تطلق احداهما على مدار التاريخ طلقة واحدة على عدو، او تسقط عصفورا انتهك حدودها، واذا ما تعرضتا لاي تهديد فالجيوش الاجنبية جاهزة للاستئجار. النكتة الابلغ التي اضحكت اوروبا ان ثريا عربيا مهووسا بالخيول اشترى حصانا للسباق بمبلغ خمسة ملايين دولار واكتشف طبيب بيطري فيما بعد انه «قديش» اي ان خاله حصان وابوه حمار..!!
 
المفكر العروبي عبدالوهاب المسيري ينفق عمره وماله في كتابة اعظم موسوعة عن اباطيل اليهود واكاذيبهم وتتجاهل حكومته نداءاته للعلاج من السرطان بينما عضو الحزب الحاكم البارز هشام طلعت يحرق الملايين تحت اقدام راقصة وعندما هجرته يدفع مليون دولار لقاتل مأجور للتخلص منها.فيا الهي لماذا الانهار العظيمة ينهكها العطش، والجبال العالية تقتلها العزلة، فيما السفلة والصغار اصحاب الصغائر يرفلون بالحرير، ويتزنرون بالذهب..؟!
 
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

مصطفى العوامله25-12-2009

القامات الطويلة ، طويلة بثقافاتها ومعرفتها وعمقها وقدرتها على فهم طبيعة المرحلة والمخاطر المحدقة بالأمة وكيانها ووجودها وبقائها وإغتنام كل الفرص والمناسبات التي من شأنها إثبات وجودها وتعزيز منعتها وقوتها بكل الوسائل والإمكانيات المتاحة وإتاحة الفرصة للشرفاء والمخلصين و
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

ابو منصور23-12-2009

اخي ابو محمد , حياك الله وحفظك . وشكرا على هذا الطرح والمباشرة " والوخز بالأبر الاردنية " , وبعد :

• صحيح ان من ضاق صدره طال لسانه , فهذا من باب الفعل ورده , فالضغط على الصدر يولد قوة تدفع باللسان ليطول , كاندفاع الطلقة من بيتها . لكن اللسان يطول ليشتكي ويقول , وان خاف ولم يفعل فع
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.