عن «المفاجأة» السعودية

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2009-01-21
1578
عن «المفاجأة» السعودية
عريب الرنتاوي

حفنة قليلة من الأشخاص على ما يبدو ، كانت على علم مسبق بـ"المفاجأة" التي فجّرها العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز في قمة الكويت ، يقال أن الرئيس المصري محمد حسني مبارك أخذته "المفاجأة" على حين غرة ، وقرر مغادرة الكويت على عجل ، ويستدل على ذلك من خطابه في القمة الذي لم يجنح باتجاه المصالحة ، بل اتسم بالدفاع عن سياسة بلده ومواصل الهجوم على ما يسمى بـ"محور الممانعة".

 ويقال أيضا أن وزير الخارجية السعودية لم يكن على علم مسبق بالتحولات العميقة التي كانت تدور في خلد الملك السعودي ، بخلاف مدير مخابراته الأمير مقرن بن عبدالعزيز ، الذي بدا عارفا ببواطن الأمور ، ويستشهد مراقبون على ذلك بالمواقف التي أطلقها وزير الخارجية خلال الأيام القليلة الفائتة ، والتي أمعنت في "التمحور" خصوصا حين وصف بعض العرب بـ"المراهقين" ، في حين بدا الأمير مقرن ودودا مع وفود الممانعة حتى قبل جلسة الافتتاح ، أما الصدمة الكبرى فكانت من نصيب بعض الرموز الإعلامية السعودية أو المحسوبة على المملكة ، التي صعدت إلى قمة الشجرة في حرب داحس والغبراء ولم تبق للصلح "مطرح" طوال أسابيع العدوان وما قبله وحتى جلسة الافتتاح.
 
أيا يكن من أمر ، فقد أحدث الملك السعودي انعطافة هامة لا في مسار قمة الكويت ووجهتها فحسب ، وإنما في مجرى العلاقات العربية البينية والتوازنات الإقليمية ، فالملك استعار في خطابه بعض مفردات "الممانعة والمقاومة" العربية ، وهو أعاد الاعتبار لطروحات طواها النسيان منذ قمة فاس الأولى 1981 ، عندما عرضت السعودية ذاتها ، مبادرة سلام لم تقر عربيا إلا بعد حرب إسرائيل على لبنان وحصار عاصمته وإخراج المقاومة الفلسطينية منه ، أي في قمة فاس الثانية عام ,1982
 
كثيرة هي الأسباب التي دفعت السعودية للخروج عن مسارها الأخير والممتد من أحداث الحادي عشر من سبتمبر ، أو ما أطلقنا عليه ذات يوم تعبير "حقبة الركود البريجنيفية" في السياسة السعودية ، والتي تذكر بهدأة السياسة السوفياتية وتواضع أدائها في الهزيع الأخير من ولاية الرئيس السوفياتي ليونيد بريجنيف الممتدة ، من هذه الأسباب وفي مقدمها: الصمود الرائع للمقاومة والشعب في قطاع غزة ، ولو قدر لإسرائيل أن تنهي هذه المذبحة في أيام أو أسبوع ، أو لو أن رايات بيضاء رفعت في سماء غزة ، لما حصل ما حصل من تحولات.
 
من أسباب هذا التحوّل ، الإحساس العميق بالاستخفاف والاستهانة التي قابلت بهما كل من واشنطن وتل أبيب ، وحتى كثير من العواصم الأوروبية ، مواقف دول "الاعتدال" وتطلعاتها وحساباتها وحساسياتها ، الأمر الذي كرّس شعورا بالخذلان ، ساعد على إظهاره أن الإدارة الأمريكية المنصرفة ، لم يكن قد بقي من ولايتها سوى أربع وعشرين ساعة عند تفجير "المفاجأة".
 
سبب آخر لهذا التحوّل ، يكمن في الإحساس العميق بسطوة اللاعبين الإقليمين الآخرين: إسرائيل تقتل وتدمر دون خشية من أحد ومن دون أن تحسب حساب لأحد ، بل وتتهم قادة "الاعتدال" بأنها تشن الحرب باسمهم ونيابة عنهم.. تركيا التي ارتدت ثيابا عثمانية قشيبة ، وشق صوتها اغوار الأرض وعنان الفضاء إدانة وتنديدا بإسرائيل وعدوانها البربري ونصرة لشعب فلسطين ، بدت كلاعب إقليمي لا يشق له غبار.. ثم ، وربما هذا هو الأهم والأشد إحراجا ، إيران التي نطق رئيسها الإشكالي بالسؤال الاستنكاري الموجهة لخادم الحرمين: إلى متى هذا الصمت ، ألم يحن الأوان لقول شيء ما؟.
 
من أسباب التحوّل أيضا وأيضا ، الغضبة الشعبية العربية التي فرضت نفسها على مختلف العواصم ، ونجاح "الممانعة" في قمة الدوحة التضامنية مع غزة ، وخروج القمة بقرارات ذات سقف سياسي ومالي مرتفع ، ما شكل إحراجا ما بعده إحراج لعاصمتي القرار العربي: القاهرة والرياض.
 
ولنا أن نتساءل ماذا لو أن الرئيس المصري أدلى بخطابه القوي عشية "قمة شرم الشيخ" في الأيام الأولى للعدوان على غزة ، ماذا لو أن العاهل السعودي فجر "مفاجأته" في اليوم الثاني أو الثالث للحرب الإسرائيلية المجنونة على القطاع؟.. هل كانت إسرائيل ستواصل همجيتها؟.. هل كان مجلس الأمن سيواصل استخفافه بأرواحنا ودمائنا؟.. هل كان المجتمع الدولي سيبقى على تثاقله؟.. هل كنا بحاجة لقمة الدوحة ولحرب التراشق بالاتهامات؟.. أما كنا وفرنا على نفسا دماء وعنتا ومشقة وأرواح بريئة؟.
 
رب ضارة نافعة ، وأن تصل متأخرا خير من أن لا تصل أبدا ، وقد أيقظ الدم الغزي مشاعر القادة العرب بعد أن حرك شعوبهم وشوارعهم كما لم يحصل من قبل ، وخطت السعودية خطوة مهمة على طريق استعادة دور عربي نأمله فعّالا ونزيها ، مثلما نأمل أن يكون موجها لجبه الأخطار الرئيسة المهددة للأمن القومي العربي ، بعد سنوات من التلهي بأخطار ومعارك جانبية ، وهل ثمة ما هو أخطر من الهمجية الإسرائيلية المنفلتة من عقالها ، هل ثمة أخطر من الرسائل الإسرائيلية المبثوثة من بين الركام والأنقاض المتراكمة كالجبال في غزة؟
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.