عام سعيد!!

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2010-01-06
1452
عام سعيد!!
بسام الياسين

مَدَ يده الناحلة من نافذة الحافلة. لوحَّ بمنديل ابيض عليه آثار دم وسعال الى لا احد. تفحص بقع الدم على منديله بعينين كسيرتين، ففرت منهما دموع ساخنة، بللت شفتيه الناشفتين. عندما انطلقت الحافلة بـ «الصَداح» من محطة الركاب «المُجمع» شيعها زملاؤه الموسيقيين المسنين الذين تساقطت اسنانهم، وتكرمشت جلودهم، وتصحرت رؤوسهم بعزف مقطوعة «الرجوع الاخير».

 فجاء العزف الحزين مرثية وداعية وكأن الموسيقيين يأبنونه، ويأبنون العالم معه. قائد الفرقة الموسيقية العجوز، كان شديد الصلع الا من شعر خفيف اشيب يتدلى على سوالفه حيث كان يتقافز اثناء العزف بساق واحدة، ويتكئ على عكاز نخرة.. حركاته تشبه الى حد بعيد سنجاب اعرج يقفز من شجرة الى اخرى، يطارده صياد اعور بوابل من الطلقات العشوائية من سلاح اوتوماتيكي لانه لا يرى الا نصف المشهد.
 
بعد ان اندغم القائد الموسيقي باللحن اخذ يتمايل   ويتقافز للاعلى كأنه يحاول التعلق باخر اوراق الخريف المعلقة على شجرة الحياة، وسط ضحكات الركاب المتواجدين في صالة الانتظار وتصفيقهم. الموسيقيون لم يسعدوا بتصفيق الجمهور الذي ينتظر كل واحد دوره «للرحيل» لانهم يدركون ان سعادتهم هرمت، واوشك زيتها على النفاذ، وان موعد مغادرتهم المحطة بات وشيكا. ولدى كل واحد منهم احساس قاطع بانه مجرد ورقة ميتة تنتظر السقوط داخل عربة الموتى. او تحط في حاوية الزبالة.
 
غادر زميلهم «الصَداح» المدينة مبحرا في اللازمان، وجهته اللا مكان. واثناء الرحلة اخذ يطل من نافذة الحافلة المسرعة على البهائم والناس المنتشرين على طرف الطريق، ويفكر باعوامه الماضية، وحياته المقفرة، وكيف انه سيغادر هذه الدنيا، ولم ير منها الا قفاها. اغمض عينيه بعد ان شعر باضطراب في الرؤيا، واحس بدوار شديد كاد ان يفقده توازنه. وبعد برهة عاد الى حالته الطبيعية، فرجع يستذكر اصدقاءه العازفين الذين بدأوا بالتساقط كالذباب بعد ان هرموا ولا احد يهتم بنهاياتهم الفظيعة سوى كادر البلدية المكلف بنظافة المدينة، حيث   تكفل بدفنهم، وطمر ادواتهم الموسيقية «الخردة» باعتبارهم نفايات يجب التخلص منها خوفا من كارثة بيئية. 
 
تمتم محدثا نفسه: الحياة اكذوبة كبيرة، وانا لست سوى حشرة صغيرة تافهة، وها هو عام مضى، وعام اتى.. وقبل ينهي كلامه، توقفت الحافلة، وشعر ان قلبه توقف معها، وراح يغط في سبات عميق. هبط الركاب، يرافقهم ضجيجهم باستثناء الراكب المهزول الذي كان بالامس صُداحه يملأ ارجاء المدينة كل صباح. صرخ فيه السائق معنفاً طالبا منه الخروج، ولما لم يستجب، تقدم نحوه حانقا، وهزه بعصبية عدة هزات من كتفه لايقاظه لكن جسد «الصَداح» المتداعي تأرجح بيديه، كخرقة بالية، وتحسس جينه البارد فاذا بلسعة الموت تسري في جسده. فتش السائق جيوبه لعله يعثر على اشارة تدل عليه، لكنها كانت خاوية مثل خزائن دول العالم الثالث، فاتصل بالبلدية طالبا المساعدة لنقل الجثة، فاخبره مسؤول النظافة، ان عربة نقل الموتى معطلة، وان البلدية على استعداد لارسال عربة الحاوية مع طاقمها كما هو متبع حين تتعطل الاولى.
 
استشاط السائق غضبا وقال: اذا لم يُحترم الانسان في حياته، فابسط حقوقه ان تُحترم ادميته عند وفاته، والواجب معاملته معاملة انسانية لا معاملة القطط الشاردة والكلاب الضالة تلك التي تُفرم بالشوارع تحت عجلات السيارات بلا ادنى رحمة او شفقة. ازدادت حدة النقاش بين الطرفين، وارتفع منسوب الملاسنة حتى تجاوزت حدود التسفل اللفظي معدلاته الطبيعية الى ان بلغ التهديد بانتهاك الاعراض . في هذه الاثناء كان المذياع يصدح بالاغاني الرومانسية احتفالا بالسنة الجديدة فيما المذيع العتيد يستغل الفواصل بين اغنية واخرى ليعدد انجازات الحكومة العظيمة في مجال حقوق الانسان، وكرامة المواطن.....!!
 
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

مصطفى العوامله07-01-2010

منذ ان خلق الله الإنسان ، ووضعه على هذه الأرض ، وجعل له عقلا قادرا على الإبداع من خلال ما جعل له من قدرة على التمييز والاستنباط والتحليل والمقارنة والتركيب الذهني ، فكانت الفلسفة أولى ابداعات العقل البشري ، والفلسفةهي في الأصل ابتداع فكري لفهم وتقبل ما يحيط بالإنسان ومحاولة
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

ابو منصور06-01-2010

قصة قصيرة تحوي الكثير من الحزن والالم , والقليل من الكوميديا , ويمكن تصنيفها بجدارة بأدب الـ " تراجيكوميدي" اي المضحك المبكي .

ان تسارع احداثها الموصوفة بدقة وبراعة , تشعر القاريء وكانها تفاصيل كابوس ليلي يضغط على الصدر بقوة . اشخاصها يعبرون الحياة بلا هوية ولا يتوقفون في د
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.