المعجزة

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2010-01-20
1816
المعجزة
بسام الياسين

تحلقت الأسرة حول مائدة الإفطار الصباحية كعادتهم في كل يوم جمعة. الإفطار كان زاخرا بالمأكولات الشعبية. الحمص، الفول، الفلافل، الزيت والزعتر، قطع الخيار والبندورة، .

  لاحظ الصغير «فهيم» أن تشكيلة المائدة متجانسة وطبيعية باستثناء الفلافل، وكأنها مادة دخيلة على التوليفة، مما سبب له حيرة وخلق عنده إشكالية استعصت على الفهم.
فسأل أمه سؤالا مباغتا: من اخترع الفلافل؟!.
ضحكت الأم حتى سالت دموعها، بينما ظل الأب متجهما وقد اسودت سحنته كعادته ، فيما تقطيبة وجهه توحي بالشر، في حين التزم الابن البكر» عبدالرزاق» وأخته « العنود» جانب الصمت.
 
قالت الأم بزهو وهي تمسح بقايا الدموع: - ما شاء الله- اللهم لا حسد، هذا الولد، وأشارت إلى الصغير «فهيم»- طالع لأخواله- وها هي علامات النجابة والعبقرية تظهر عليه مبكرا وقد احسست بها مذ كان نطفة في رحمي، وصدق القائل: « الطفل الفصيح من «صُرة» أمه بيصيح» ولكنني أخشى عليه من فرط ذكائه، وأدعو له ليل نهار أن يحميه الله ويلهمه ما يفيد به الأمة، وينفع والديه .فملامحه تشي بأنه سيأتي بما لم تستطعه الأوائل من علم واختراع وأدب.. وعلى رأي المثل «ثلثين الولد لخاله ، و»فهيم» يا حبة عيني» نسخة ناطقة عن أخواله.وعندما نحقق أحلامنا سأفطر على الكبدة الغارقة بالزبدة.
 
ظل الأب صامتا، فيما قال ابنه عبدالرزاق، بعد أن مسح أطراف صحن الفول بلقمة كبيرة: أن الكبدة يا والدتي غير صحية، فوظيفة الكبد في الجسد تصفية السموم ، ولا يأكل هذا العضو المسموم سوى العرب ، والزبدة ترفع الكلسترول.
 
تجشأ الأب بصوت عال ، كأنه يسدد طلقة على رأس عدو لدود وقال: اللهم لا تسلط علينا كلبا من كلابك، ولا تسلطنا على احد من عبادك والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، أن طلع من بين العميان اعور حتى لو كانت رؤيته مواربة، ومن بيت «الزط» مؤذن مع أن صوته أجش لالتهاب مزمن في قصباته الهوائية - كل ذلك لا يهم - المهم انك يا عبدالرزاق اثبت أن «النظرية الجينية»، قد تطابقت مع «نظرة» امك العامية بان «ثلثين الولد لأخواله» وان «المرأة كادت أن تلد أخاها» وهذا ما نقلته إليكم والدتكم المصونة من خلال الحبل السري والشيفرة الوراثية من السادة أخوالكم البررة الذين كسروا مؤشرات الذكاء المعتمدة عالميا، ولولا خيانة الحظ لهم في قلة التعليم، لاحتلوا المراكز القيادية في الدولة، واستحوذوا على جوائز نوبل في ميادين العلم والأدب والإبداع.
 
فخالك نايف برع في فن الطوبار،وأشرف شخصيا على عمليات» الطوبرة « وصبات الباطون لـ «برج زايد بن خليفة «في دبي، وتكريما له على هذا الانجاز المذهل أطلق اسمه على الطابق الاخير الذي يحمل الرقم (200 ) نظرا لأعماله الخارقة التي تناطح السحاب، فصلى ركعتي شكر لله فوق الغيوم وعندما سّلم عن اليمين واليسار راى الناس على الارض كالصراصير ، فاستعاذ بالله وتمتم : هذه من علامات الساعة ،واستذكر الحديث النبوي عن الذين: «.... يتطاولون بالعمران» فأقسم ألا يدق بعد اليوم مسمارا واعتزل المهنة وهو يعيش اليوم على راتب المعونة الوطنية لا يكفيه ثمن دخانه الردئ .  
 
أما خالك نواف الملقب بـ «الوتد» لقصر قامته، فهو أفضل قائد عربة بليلا في المنطقة وتم ترشيحه لدخول سباق سيارات فورميلا لعام ٢ ١ . الأكثر عجبا الخال عقلة هو زبون «نظارات» الشرطة الدائم. ـ ولو استقام على جادة الصواب - لكان ذا شأن عظيم ، ورجلا يشار إليه بالبنان، ومع ذلك ما زال رجلا يشار إليه بالبنان كأشهر نصاب وطني. ظل الصغير»فهيم» صامتا، ينصت لحديث أبيه، بينما أسنانه لم تتوقف عن الطحن، وكالقط خمش آخر حبة فلافل من الكيس وازدردها خشية أن يلمحه احد.
 
بعد قليل استردت المرأة المكلومة شجاعتها وخاطبت زوجها بلغة تجمع بين الحزم والعتاب قائلة: انك دائم الاستهزاء بإخواني، والتعرض لأهلي على الرغم من أنهم لم يطأوا عتبة بيتك منذ سنتين حين تطاولت على» المرحوم « والدي   الذي لم يسلم من لسانك، ووصفته وهم يهيلون عليه التراب بأنه يستحق لقب أمين عام حزب البهائم الناطقة « لخلفته المتخلفة». 
 
تجشأ الأب مرة أخرى بطريقة مقززة مما دفع ابنته» العنود» لان تضع يديها على فمها خوفا من التقيؤ وقال غامزا من جانب الأم: لا احد ينكر أن أباك مات وكانت ثروته الوحيدة «الشرف» وقد أوصى بتوزيع تلك التركة الضخمة على أولاده، وقد نال كل واحد منهم قسطا كبيرا ، ولكنهم للأسف بددوا تلك الثروة في الملاهي والحانات وعلى موائد القمار والبيوت المشبوهة. أجهشت «العنود» في البكاء، فيما استفز الكلام الجارح عبدالرزاق الذي تصدى بجرأة لوالده على غير المألوف: إن جدي «جويعد» عليه الرحمة، وعلى روحه السلام، كان رجلا فاضلا واكبر دليل أن القرية كلها زحفت خلف جنازته.
 
قاطعه أبوه محتدا وعيناه تبرقان بالغضب: لا احد ينكر ذلك، فالجميع كان يركض خلف الجنازة المحمولة على عربة « مدفع رمضان» طمعا ببركاته والتماسا لكراماته، فقد كان المرحوم ، يمسك الشجرة اليابسة فتخضر بين يديه، وينفخ عليها فتزهر من أنفاسه، ثم يهزها فتتساقط ثمارها في حضنه ليأكل منها، ويطعم من معه، حتى إذا شبعوا حملوا الباقي على ظهور الدواب والجمال لتوزيعها على فقراء القرى المجاورة ..!!
 
حكاية الشجرة عقدت لسان الصغير» فهيم»، ولما خرج من دائرة الدهشة، سأل والده الذي كان مثار إعجابه وقدوته: «يابا» إذا كان جدي يملك هذه القوى الخارقة، والكرامات النادرة لماذا لم يمسك الميزانية الأردنية الناشفة مثلما مسك الشجرة اليابسة لنتخلص من العجز والمديونية ؟!. رد الوالد بعصبية : ما فعله جدك هي من كرامات الصالحين أما»حكاية الميزانية» فبحاجة إلى معجزة ربانية لا يأتي بها إلا الأنبياء .. فإحياء الموتى، ونفخ الحياة في العظام وهي رميم، لم يقدر عليها سوى سيدنا عيسى .فقال الصغير: وين المشكلة يابا ؟! فقال الوالد: يا ولدي إن الله رفع سيدنا عيسى إلى السماء ولا أحد يعرف متى يهبط على الأرض !!
 
فأجاب الولد الفهيم ببراءة: إذا لم يكن لدينا من خيار إلا الانتظار فما الضير أن ننتظر إحدى المعجزتين معجزة «هبوط» السيد المسيح من السماء لينفخ الحياة في عظام الميزانية الهشة وإما معجزة «ظهور» المهدي عجل الله فرجه وخروجه من سردابه ليرفع الظلم وينشر العدل بين الناس ويُعيد اللقمة التي اختطفتها «النخبة» الى افواه الفقراء المعطوبين!!

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

مصطفى العوامله25-01-2010

كثيرة هي الصور التي يمكن تركيبها من خلال الواقع الذي نحياه ،وكثيرة هي الخيالات التي نتصورها ونشكلها بمخيلاتنا على الشكل الذي نبغي ونحب ويمكن أن تكون هذه الصور نموذجا عن ما يكتنز في داخلنا من ثقافة وتجربة وتفاعل مع الحياة التي نحيا برغبتنا أو قصرا لنا ، الحكاية التي سطرتها يا
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.