فضيحة قومية

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2010-01-27
1515
فضيحة قومية
بسام الياسين

مشهد في منتهى القتامة، بلغ درجة الخراب او يكاد، رسمه بتدرجاته اللونية الحالكة، الباحث الحقوقي الاماراتي الدكتور محمد الرُكن، في وصف المأزق الحضاري والثقافي، وضمور الهوية الوطنية، وذوبان القيم العربية في الامارات في ظل ارتباك محموم للبحث عن مخرج، واستعصاء الحل على المدى المنظور.

 انها محنة الانسان العربي في الدفاع عن معناه ومبناه في مواجهة انفجارات قنابل ديمغرافية في مناطق خليجية متعددة، وارتدادات زلزال مالي ضرب المنطقة، وهدد جذورها بتحويل الابراج الى اطلال، والناطحات الى معالم سياحية، وذلك بفعل خط الزلزال الديمغرافي المدمر، واعصار «تسونامي» المالي الذي حمل معه المليارات العربية الى بحر الظلمات. اشارات الدكتور الرُكن، استنطبت رسالة مدوية خطيرة لما آلت اليه المآلات، وما ستؤول اليه النهايات، فيما اذا استمرت الاحوال على هذا المنوال في الامارات، والدول الخليجية الاخرى بحكم التشابه، ولا نقول التطابق.
 
الدكتور الركن صرخ مرعوبا ومحذرا قبل انغلاق النفق المعتم المؤءي الى فضاء الحل. وخوفا من ان يدمر شمشون «الوافد» الهيكل على رأسه ورأس القاطنين فيه، بان عدد سكان الامارات يبلغ «٥ر٦» مليون نسمة بينهم اكثر من مليوني هندي ومليون باكستاني فيما لا يتجاوز عدد الاماراتيين «٨٥ » الف نسمة، ورغم هذه الصراحة والصدقية الا ان « الرُكن الركين» لم يكشف اللثام عن وجوه المليونين الاخرين، وتجاهل الاعلان عن عدد الايرانيين وهم اصحاب الاستثمار الاكبر حيث تقدر الاحصاءات استثماراتهم باكثر من «٢ » مليار دولار ناهيك عن التجارة البينية بين البلدين بحكم الجوار اللصيق وشغف الامارتيين بالكافيار والفستق الايراني.
 
لا جدال ان القنبلة الديمغرافية هي اشد القنابل خطرا لانها لا تهدد الابراج العالية والبنية التحتية لكنها تهدد الهوية الوطنية والامن القومي وتُشكل عامل تقويض. للثقافة والقيم واداة تخريب للغة العربية، العنصر الاساس في وحدة ابناء الوطن وتماسك الامة. المثير للقلق انك تسمع في الامارات كل لغات الدنيا عدا العربية، وتبقى كعربي غريب الوجه واليد واللسان، وتحتاج في وطنك هناك الى ترجمان يتقن جميع التواءات الفم ونغمات اللسان من الانجليزية والفرنسية والامهرية الفارسية والبشتونية والاوردية والاميازيغية والفلبينية.
 
فالسائق والممرض والمربية والميكانيكي والقصاب وحارس العمارة وشيف المطعم والصيدلي.. كلهم لا يتكلمون العربية وان تكلموها، فلا بد ان تطلم على رأسك، اكثر مما يلطم الشيعي المتعصب على استشهاد الحسين. قمة الخطورة في الامارات ولادة جيل ثان وثالث ورابع من هذه الجنسيات الوافدة.ممن لا يعرفون موطنهم الاصلي، ولا ينتمون الى مسقط رأسهم الامارات، وهم معلقون في الهواء يعانون من حيرة الهوية، وقلق المستقبل، تماما مثل معاناة عرب المهجر في فرنسا الذين يخوضون فيها عراكا حضاريا وثقافيا بحثا عن الذات، ويواجهون يوميا مشكلات حادة تتعلق بالحجاب، والاختلاط في المدارس، واللحم الحلال، والزواج.. فهل نشهد مشكلات مشابهة في الخليج بالمطالبة بتحريم ذبح الابقار المقدسة، وبناء المعابد تحت شعار حرية الاديان، واباحة تناول لحوم الكلاب والثعابين في المطاعم الصينية والاحياء الفلبينية.
 
الدكتور الركن كسر «مزراب العين» وصرخ الصرخة المزلزلة بان الاماراتيين سيكونون بعد حفنة اعوام اي في عام ٢ ٢٥ اقلية حيث ان نسبتهم في احسن الاحوال لن تتجاوز الـ «٢٪» وهذا يذكرنا بالهنود الحمر في امريكا والسكان الاصليين في استراليا الذين انقرضوا واصبحوا هياكل بشرية في متاحف التاريخ، فاستقدام العمالة الاجنبية بالملايين هو عدوان على الامة، ويشكل ما يعرف بالاحتلال الناعم الذي هو اخطر بكثير من العدوان الخارجي السافر خصوصا ان لدى هذه العمالة ولعا غير اعتيادي على التهام الشطة والبهارات الحارة مما يعطيهم فحولة خارقة في غرف نومهم، وقدرة انجابية استثنائية عند نسائهم تفوق سلالتي الارانب والفئران مجتمعتين. 
 
الاستخدام الامثل للموارد لا يكون بالبذخ المفرط، وزيادة الاسراف والاستهلاك الكاذب، بل بالقضاء على الفقر والتعاسة وبناء القدرات الاقتصادية والعسكرية وتشييد المصانع في مواجهة حمى الاستهلاك وهنا نستدعي ما قاله المفكر العربي الدكتور «جورج قرم»: ان غياب القومية الاقتصادية عند العرب اججت الصراعات والتناقضات الطبقية واثارت مشكلة تحديد الهوية وان عجزنا عن ممارسة القومية الاقتصادية جرنا الى الويلات وعندما نقوم بهذا التحول الجبار اي خلق الاقتصاد القومي ستذوب نظرة العداء والتناقضات بين الاقطار العربية وداخلها بين الفئات الاجتماعية والمذهبية والعرقية، بعدها سنحظى باحترام العالم بدخولنا مجالات العلم والانتاج وسنطمئن الى سلامة هويتنا الثقافية واللغوية. 
 
حل هذه المعضلة برأينا يكمن في احلال العمالة العربية والاستغناء عن العمالة الوافدة تدريجيا وعدم ربط العمالة بالسياسة والا فالبرامكة الجُدد سيكمنون لنا وراء كل زاوية من شوارع الخليج العربي..!!
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

ابو منصور27-01-2010

اخي ابو محمد , لقد احسنت والله بالكتابة في هذا الموضوع الهام والمهم , واقول :

هذه الكتل البشرية الكثيفة من الايرانيين والهنود والباكستانيين , ليست طارئة على دول الخليج العربية , فالايرانيون كانوا هناك منذ ايام الطاووس شاه ايران . غالبيتهم العظمى من الطبقة العاملة وهي محصن
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

ابو منصور27-01-2010

اخي ابو محمد , لقد احسنت والله بالكتابة في هذا الموضوع الهام والمهم , واقول :

هذه الكتل البشرية الكثيفة من الايرانيين والهنود والباكستانيين , ليست طارئة على دول الخليج العربية , فالايرانيون كانوا هناك منذ ايام الطاووس شاه ايران . غالبيتهم العظمى من الطبقة العاملة وهي محصن
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.