حتى لا تكون لجنة «مجرد تحقيق أخرى»

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2010-02-17
1472
حتى لا تكون لجنة «مجرد تحقيق أخرى»
عريب الرنتاوي

بتوقيفه رئيس ديوان مكتبه عن العمل ، وتشكيله لجنة تحقيق في "الفضيحة" ، يكون الرئيس عباس قد محا بجرة قلم ، كل "الرطانة" السياسية التي أعقبت بث تقرير القناة العاشرة ، وشطب بقرار واحد ، فيضا من التصريحات الإنشائية الزاخرة بالبطولة اللفظية الزائفة الممزوجة بنفسية "الضحية" وعقليتها ، التي صدرت عن كبار المسؤولين الفلسطينيين ، وهم يتحدثون عن "مؤامرة صهيونية" و"ضغوط يمينية" و"ضابط صغير عميل".

 ومع كل رواية رسمية كانت تصدر عن السلطة ، كانت المعلومات التي تعقبها بسويعات ، كفيلة بهز أركانها ، وهدمها على رؤوس قائليها ، فنحن نعرف الآن ، أن "الضابط العميل" ، تلقى آخر راتب له من السلطة عن شهر كانون الثاني الفائت ، ولا أظن أن أحدا في السلطة ، عميلا كان أم مناضلا ، قد قبض مقدما راتب شهر شباط بعد. و"الضابط الصغير" تبين لنا أنه كبير فعلا ، وبمرتبه لواء وقد تعاقب على سلسلة من المناصب الحساسة والرفيعة. والقصة "المفبركة" التي رواها صحفي إسرائيل حاقد ، ثبت أنها متداولة منذ عدة أشهر ، وبها كتب ومخاطبات ومراسلات ، لم تولَ الاهتمام الكافي إلا بعد أن ارتقت إلى مستوى الفضيحة.
 
فجأة ومن دون مقدمات ، ينهار هذا الخطاب رأسا على عقب ، وتتراجع "العنتريات" و"التهديدات" بمقاضاة القناة العاشرة وجلب شبانة مخفورا لمواجهة العدالة ، ويتقرر أن تؤخذ مزاعمه وادعاءاته بنظر الاعتبار والتحقيق ، وأن يوقف "بطل فيلم العري الشهير" عن العمل ويتحول إلى التحقيق ، تماما مثلما حصل في زمن آخر وفضيحة أخرى ، زمن جنيف وغولدستون ، الذي بدأ بعنتريات من الشخوص ذاتهم ، وانتهى إلى تحقيق لم تر نتائجه النور ، ولم يدفع أحد ثمن ما قارفت يداه بحق الشعب والسلطة والمشروع الوطني.
 
لقد كان من الأجدى ، لو أن السلطة استجابت بداية لنداءات فهمي شبانة ومراسلاته ، أو أنها شرعت في التحقيق بمزاعم القناة الثانية بدل أن تنبري الوجوه ذاتها ، لاستلال السيوف الخشبية ذاتها ، واستخدام الجمل والعبارات والدفوعات نفسها ، ولكن دفاعا عن فساد يفقأ العيون ويصم الآذان ، موثق بالورقة والتوقيع والختم والصوت والصورة هذا المرة ، لكنها المكابرة وعقلية "عنزة ولو طارت" ، تظل تفعل فعلها في أكثر لحظات الحرج والفضيحة سفورا.
 
على أية حال ، كنا نأمل لو أن تشكيل لجنة التحقيق جاء "وطنيا" وليس فتحاويا ، فالفضيحة لا تمس فتح وحدها ، وإن كانت المعنية بها أكثر من غيرها ، الفضيحة تمس الجميع ، شعبا وسلطة وكيانا ، وكنا نفضل لو ضمت اللجنة شخصيات مستقلة ومحايدة وقضائية من المشهود لها بالاستقلالية والنزاهة ونظافة الكف واللسان ، وكنا نفضل أن لا يكون من بين أعضاء اللجنة أي اسم من تلك التي ذكرها شبانة وتقرير القناة العاشرة أو مرّا عليها ، فلا يعقل أن تكون "أنت الخصم والحكم" ، كنا نأمل لو أن التوقيف عن العمل لم يقتصر على "بطل واحد" من أبطال الفيلم الإباحي ، وكل ما ورد في التقرير إباحي واستباحي ، وأن يقترن الوقف عن العمل بالتحفظ على المال والممتلكات والمنع من السفر إلى حين الانتهاء من التحقيق الذي قدر له أن يستمر لثلاثة أسابيع.
 
عندها ، وعندها فقط ، كنا سنقتنع بجدية التحقيق وصدقية الإجراءات و"أصوليتها" ، لكننا اليوم بتنا نخشى على التحقيق من أن يواجه مصيرا مماثلا لتحقيقات مشابهة ، وعلى اللجنة من أن تنتهي إلى ما انتهت إليه مثيلاتها المغدورات ، وأن تقيد القضية بمجملها ضد مجهول ـ معلوم ، نقول ذلك وفي أذهاننا فيض من اللجان المشابهة التي لا يعرف أحد كيف تشكلت ولا أين انتهت أو إلى ماذا وصلت.
 
وأحسب أن لقلقنا وتشاؤمنا ما يبررهما تماما ، ليس لأن التجارب السابقة لا تدعو للتفاؤل فحسب ، بل ولأننا بتنا نعرف اليوم ، بان كل معلومة وردت في تقرير القناة العاشرة ، كانت معروفة للقيادة الفلسطينية ، بالوثيقة والفيديو والصوت والصورة ، الأمر الذي يدفعنا للتساؤل عن السبب الذي أقعد هذه القيادة عن التحرك والتحقق والتحقيق في حينه ، ولماذا لا تتحرك إلا تحت سيف الضغوط ووابل الانتقادات ، وما إذا كانت جادة ومخلصة في يقظتها المتأخرة ، وهل هي يقظة حقا أم انحناءة مؤقتة أمام عاصفة الانتقادات؟.
 
ولا أدري حقيقة كم من المرات سيكون بمقدور المرء قياديا كان أم مواطنا عاديا ، أن ينحني فيها لعواصف الانتقادات ، وزوابع الغضب والتنديد وروائح الفضائح التي تزكم الأنوف. لقد بلغ التهافت في الوضع الفلسطيني حدا يصعب ترقيعه ، من أزمة إلى أخرى ، ومن فضيحة إلى فضيحة ، من أزمة المشروع السياسي ، مشروع المفاوضات التي استنزفت الحياة وسرقتها ، إلى جملة الأزمات المركبة التي تحيط بالسلطة وأدائها وفساد رموزها إلى غير ما هنالك.
 
سننتظر ثلاثة أسابيع ، وهي فترة قصيرة على أية حال ، وسنعود لنرى كيف مرت عاصفة "الحسيني غيت" ، وكيف تعاملت السلطة مع ملف بهذا الحجم من الخزي والخطورة على حد سواء.
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.