هل سَنُودّع ظاهرة الخوف من الكتب؟

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2010-02-17
1417
هل سَنُودّع ظاهرة الخوف من الكتب؟
طاهر العدوان

عندما تقدمت بطلب اجازة طباعة ونشر روايتي الثانية "حائط الصفصاف" الى دائرة المطبوعات في شهر كانون الثاني من عام .1989 اشترط الرقيب اجازتها بحذف بعض الجمل والعبارات. فقد رأى ان رواية اردنية يجب ان لا تأتي على ذكر "حلف بغداد" في اشارة الى ما كتبته عن مظاهرات الشعب الاردني التي اسقطت الحلف انذاك.

 وقد رأى ان رواية اردنية يجب ان لا تُذْكَر فيها كلمة "الاشتراكية" ولا ان يُذْكَر فيها اسماء حزب البعث والحزب الشيوعي.. الخ من تلك الاحزاب التي كانت (شرعية) في الخمسينيات وهو زمن احداث الرواية.
 
كانت جميع خطوطه الحمراء على صفحات الرواية تعترض على حقائق تاريخية بأن الاردن اسقط حلف بغداد, وبأن الحركات السياسية في البلاد تأثرت بالتيارات التي كانت سائدة في المنطقة في تلك الفترة. وحتى انكاره لحقائق ان الشعب الاردني كان يتظاهر فرحاً عندما عُزل الجنرال كلوب بقرار من الملك حسين.
 
لقد كابدت عناءً واحياناً احتجت الى (وساطات) من زملاء سابقين في الاعلام, من اجل اقناع الرقيب, بان تاريخ الاردن والاردنيين كان دائماً في مواجهة العملاء والاحلاف, واننا ننتمي الى شعب واع عرف الحزبية مبكراً وكان السَبّاق في اشعال مشاعر الغضب العربية من المحيط الى الخليج كلما واجه الامة خطر استعماري وصهيوني. واخيراً نجح الرقيب في شطب كلمة "اشتراكية" من الرواية, رغم اني قلت له بان الاشتراكية تدرس في الجامعة الاردنية كمنهج, ونجح في شطب عبارة "حلف بغداد" واستبدلها بكلمة "الحلف" وكأنه نجح في تغيير احداث التاريخ.
 
في عام ,98 كنا في لقاء مع المغفور له الملك الراحل الحسين بحضور رئيس الوزراء ووزير الاعلام, وكان الموضوع الذي طُرِحَ من قبل الصحافيين والكُتّاب. هو "اغلاق مكتب صحيفة الحياة" اللندنية في عمان, لان رقيب المطبوعات رأى فيها اخباراً ضد الاردن. وجميع من حضر ذلك اللقاء شاهد الغضب على وجه الراحل الكبير وهو يخاطب رئيس وزرائه "لا اريد ان ارى او ان اسمع بعد اليوم منع اي صحيفة او كِتاب في الاردن".
 
وهو غضب كنا نلمس ظواهره, في كل مرة نسمع فيها الملك عبدالله الثاني وهو يتحدث عن رفضه سجن اي صحافي. وخلال العقد الاخير انتظم على رفوف البيع في المكتبات الاردنية عدد كبير من كتب, ألّفها امريكيون واسرائيليون وعرب تتناول اسراراً واحداثاً عن تاريخ الدبلوماسية الاردنية قبل معاهدة السلام وبعدها. وهو ما يدل على نهج متصل من الايمان بان منع عدد صحيفة من التداول او منع كتاب اصبح جزءاً من الماضي. لكن, وللاسف "المنع من التداول" لا يزال قائماً لان هناك من يعتقد ان بالامكان وضع "الاقفال" على عقل الاردنيين واجبارهم على ان يقرأوا او لا يقرأوا ما يشاء لهم الرقيب.
 
اتمنى ان يوضع حد نهائي لقرارات منع كتاب من التداول او محاكمة كاتب بسب اجتهاد او فكر ورأي وضعه في كتاب. وما يدفعني الى التفاؤل قرار رئيس الحكومة بتفويض وزير الثقافة نبيه شقم مهام دائرة المطبوعات والنشر "لتوسيع هوامش الحرية واطلاق العنان للابداع الثقافي والفكري من دون رقابة".
 
واتمنى على الوزير ان يبادر بالغاء قرارات سابقة منعت كتباً من التداول مثل كتاب وزير الداخلية الاسبق نذير رشيد "حساب السرايا وحساب القرايا" وكذلك مذكرات ضافي الجمعاني. و"وصايا الذبيح" للصحافي وليد حسني و"حبر الشرق" لجمال الشلبي و"سيرة الفتى العربي في امريكا" لـ رفقه دودين و "الديمقراطية المقيدة" للدكتور على محافظة. و"من النكبة الى الانتفاضة" لـ بهجت ابو غربية. وكتب اخرى, منها أشعار وروايات.
 
بكلمة موجزة, ان ما يعرض من برامج وثائقية, وسير ذاتية, وافلام, ومسلسلات ومقابلات, وشهود على العصر في فضائيات لا تعد ولا تحصى, هي في متناول المشاهد الاردني بما يجعل فكرة منع كتاب او سيرة ذاتية عملاً مناقضا للواقع وبلا جدوى, وحرصا على ثقافة العيش في دائرة الخوف من كل شيء حتى من النسيم العليل.
 
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.