سجناء الرأي

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2010-02-17
1514
سجناء الرأي
بسام الياسين

الكلمة همزة الوصل بين الله والانسان، مفتاح المعرفة، الخط الفاصل بين الانسان والحيوان، هوية الكائن الانساني بانه حيوان ناطق لا بهيمة عجماء. دون نطق لا تواصل بين الناس، فالكلمة اداة النطق، بوابة العقل، نافذة القلب، معراج الروح الى السماء لحظات التجلي، والدعاء المبلل بالدمع والرجاء، بالكلمة هبط الوحي من السماء، حاملا رسالة الحق والتوحيد «وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى» هي رسالة الدعوة الى ما ينفع الناس، ويمكث في الارض فمنهم «امة يدعون الى الخير».

 بالكلمة تم كتابة العقد الاجتماعي بين المواطنين والدولة القائم على «وشاورهم في الامر»، و «امرهم شورى بينهم» لهذا ارتبطت الكلمة بالقداسة، بها تُفتح ابواب السماء، وخزائن الارض، واحتلت مكان الصدارة في اولويات بني البشر.
 
الحق في الكلمة الجريئة، عنوان الديمقراطية الحقة. الديمقراطية الخرساء ديكتاتورية عمياء تسلطية بغيضة، فيها انتقاص لكرامة الانسان، وحريته وانسانيته، «انا خلقنا الانسان في احسن تقويم». ارسطو ذات حوار فلسفي صاح في احد جلسائه: «تكلم يا هذا حتى اراك!! فمن كان بلا رأي ولا موقف يعبر عنه بالكلمة، هو مجرد بهيمة تأكل وتشرب وتنام!!
 
العرب هم اهل الكلمة، اصحاب علم الكلام، هي فنهم، معجزتهم، فخرهم، والمتكلم عندهم له مكانة مرموقة وهو سفيرهم يقال فيه وعنه «فلان بين فكيه سيف صارم»، كذلك الحرية بدأت كنظرية كلامية، ثم اصبح للكلمات اجنحة، وللحروف زعانف، وللغة اسنان حادة واظافر، وصار لها حصانة ضد قانون الجاذبية الدونية، وضد قانون الانفلات والانفلاش على السواء.
 
تأسيسا على ما سلف فان سنام الديمقراطية المعارضة، يترتب عليها القبول بارائها، احترام الخلاف معها، السماح بالتعددية، لان المعارضة هي المحك الاساس للديمقراطية ففي ظلالها لا يخشى المعارض الوطني الشريف النطق بالمهموس، والاعلان عن المحظور خدمة للصالح العام، وهذه اهم خصائص الديمقراطية المتحضرة.
 
المعارضة اليوم في مواجهة علنية مع دعاة العولمة والغَوربة والبَلرة التي يقودها الديجيتاليون الدجالون، الذين يتهمون شعوبنا بانها لم تبلغ مرحلة النضج اوسن الرشد، وان شتلة الديمقراطية لا يمكن زراعتها خارج بيئتها الاوروبية. كذلك هم المحافظون قوى الشد العكسي ضد حركة التاريخ والمستقبل ممن يتفاخرون بانسابهم، وعظمة ابائهم وعظام اجدادهم لكنهم يتحاشون الحديث عن نزاهة ضمائرهم، ونظافة ايديهم   وشرف كلماتهم والتزامهم بها.
 
مصيبتنا ان المسؤولين اعتادوا على سماع اصحاب الحناجر المشتراة، والاقلام المأجورة، واستساغوا احاديث الناطقين الاعلاميين المكتوبة بحبر النفاق على ورق مصقول مغشوش البياض. وثبت بعد خراب مالطا انهم ناعقون اعلاميون مهادنون مسالمون، يؤثرون السلامة، والراتب الدسم على المواجهة والتصدي للسلبيات، ومَرَدَ ذلك عدم مغادرتهم «قواعدهم» في الوزارات للقتال من اجل الوطن والناس والحقيقة، تحت ذريعة الواقعية الكاذبة، والخوض باللغو الهامشي والثانوي على طريقة البث المباشر.
 
في هذه الايام العصيبة، وهذا المقطع التاريخي الحساس من حياتنا نحن بحاجة الى نقيض هؤلاء الغربان، بحاجة الى صقور محلقة ممن يحملون روحا قتالية عالية، مشهود لهم بمواقفهم الوطنية، واصحاب شخصيات عصية على الكسر واللي والعصر.. هؤلاء هم مصدر قوة لشعوبهم نقيض الذين هم رمز الانحطاط والهزيمة وتزييف الوعي، فالرجل الخطأ، في المكان الحساس، هو كارثة وطنية يُعرف في علم الادارة بالعنصر الاسود لانه ضعيف وطري قابل للكسر والاحتواء وغير مأمون ولا مؤتمن.
 
نحن الان في مواجهة خطيرة على الجبهتين الداخلية والخارجية، ومطلوب منا وقفة شجاعة بوجه الفساد والترهل والواسطة والتفكك والهوية الفرعية التي تنقلنا الى ما تحت الوطنية بالتعصب للعشيرة والجهوية والفئوية والحاراتية والعصبية للجغرافيا..واصبح مرفوضا بالمطلق الخيار بين نعم ونعم، فالوطنيون الحقيقيون هم من يمتطون صهوات الزلازل، وسروج البراكين الثائرة ساعات الشدة، ولا ينزلون الى الحجور عند الضيق، ولا يهربون في اوقات المواجهة.
 
في هذه العجالة نستدعي من رفوف التاريخ بعض الوقائع لتصحيح الخطأ، وتعديل الاعوجاج لتكون دروسا وعبرا نستفيد منها، فالتاريخ مرآة الحضارات الانسانية بآثاره ومآثره. ذات ضيق بالرأي الاخر غافل السياف الشاعر بشار بن برد ودحرج رأسه من فوق جسده، وغضب الوزير علي بن عيسى على الحلاج المتصوف الكبير واحرقه حيا، والاسوأ ما حدث مع ابن المقفع الحكيم العالم الاديب فقام والي البصرة سفيان بن معاوية بتقطيع جسده، وكان يتلذذ وهو يلقي اعضاء غريمه بالنار، ويشم رائحة الشواء الادمي.. وهناك الاف القصص على هذه الشاكلة التي تضيق بها المجلدات.
 
هنا لا بد من القول: ماذا يفعل المثقف الغيور بعد ان تحولت الاحزاب الى مطايا للركوب، ونشطت الاحزاب المجهرية لقبض التمويل؟ ماذا يفعل المثقف الاقتحامي وهو يرى ان مجلس النواب الناطق باسم الشعب، وقد تحول الى حاضنة لكل الامراض الاجتماعية الخبيثة؟!
 
ماذا يفعل المثقف الوطني وهو يرى ارادة الجماهير تزور في وضح النهار من خلال لعبة الكراسي الموسيقية؟ ماذا يفعل المثقف المبدئي الغيور وهو يشاهد بام عينيه تعرض الناخب للاغراء والضغط والوعود الكاذبة؟ الم تنكشف اللعبة الانتخابية في مجلسنا الاخير لكل الناس؟!. لذلك فان ابسط حقوق المواطن، حقه في التعبير عن نفسه، وعن ناسه، وحقه في قول كلمته، فان اصاب فله اجرها، وان اخطأ فعليه وزرها وعقابيلها، ومحاورته بالتي هي احسن بمنطق حضاري «وجادلهم بالتي هي احسن» والقول الطيب «اذهبا الى فرعون فقولا له قولا لينا لعله يذكر او يخشى».
 
ومن منطلق هدي جلالة الملك «حريتنا حدودها السماء» ومن باب وجوب الواجب اعلان براءة ابناء الوطن الدكتور سفيان التل والكاتب المثقف الكبير موفق محادين مما نسب لهما، والحذر الحذر مما دعا اليه احدهم على شاشة التلفزيون الاردني بالقول: «في المرة الثانية لن نلجأ للقضاء بل سنقطع لسان كل من يتطاول» هذه دعوة خطيرة وتجاوز على القضاء، والاقتصاص من الاخرين على طريقة الفزعة والثأر ونسي المتحدث اننا دولة قانون ومؤسسات، والدعوة لقطع الالسن جريمة منكرة، ومخالفة لمبادئنا وعقيدتنا وتقاليدنا وقد وصف الله نبينا عليه صلوات الله «بانك لعلى خلق عظيم» وقال عنه في موضع اخر «ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك»، والنبي العربي الهاشمي دعا الجميع في الحديث الشريف «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فان لم يستطع فبلسانه..» ولم يطالبنا بقطع لسان المختلف معنا بالرأي والمتفق معنا بالهدف، وحب الوطن فهناك فارق شاسع بين الخلاف والاختلاف.
 
ان مفردة الوطن الاردني هي حاضنة الجميع، فلا يزاود احد على احد، والفكر الانساني قام على الحرية والانطلاق والانعتاق، والحياة لا يطورها الا التنوع الحيوي والاختلاف البَنَّاء.. ما دون ذلك دعوة قبلية تغوص كسكين حادة في الخاصرة الجمعية للمواطنين وتمزق اللحمة الوطنية وفيها اغلاق عدمي لبوابة المنطق ولا يخفى على ذكي ان الحقيقة لها وجه واحد فقط وللناس الاف الوجوه، ويبقى الشعب الاردني كافة هو المحكمة الاهم وصاحب الولاية والاختصاص.. آملين ان لا تنتقل مظاهر العنف الجامعية الى الشارع العام فالمرحلة لا تتحمل التصعيد والهيبة لا تأتي «بالقنوة».

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

ابو منصور18-02-2010

المرء باصغريه قلبه ولسانه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اخي ابو محمد, شكرا على المقال" الدسم" الذي لم اجد ما استطيع ان اضيف اليه سوى التأكيد على اهمية "الكلمة" وعلى ما جاء في المقال مستشهداً بآيات من "كلام" الله العظيم . لقد وردت "الكلمة" ومشتقاتها بال
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.