المنحوس

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2010-03-03
1491
المنحوس
بسام الياسين

توافقت ساعة ميلاده العسيرة، مع دخول كوكب زحل عشرية النحس، حسب ما ورد في كتاب «ابو معشر الفلكي» أوُلى علاماته كانت تزامن ولادته مع وفاة والده، حين كان في زيارة الى طوارئ المستشفى في ساعة متأخرة للاطمئنان على زوجته الحامل، فانزلق في حفرة امتصاصية يجري ترميمها، دون ان يضع المقاول اشارات تحذيرية، او انوار كاشفة - على عادة المقاولين العرب - ، فاكتشف العمال الجثة صدفة في اليوم التالي، اثناء «شفط الجورة»، مما اثار رعبهم، فاستدعوا الدفاع المدني، لانتشال الجثة والتعرف على هوية صاحبها.

 خرج المنحوس من بطن امه وهو ينوح على عكس الاطفال، ربما ندما على ما سببه لابيه من نهاية شنيعة، او الى ما تسبب به لوالدته من الام حادة لم تشهدها امرأة من قبل ساعة الوضع، اذ اضطر الطبيب المناوب ليلا الى سحبه عنوة على ضوء قداحة بدلا من شفطه «من الجورة» لانقطاع التيار الكهربائي انهى دراسته زحفا مثل صرصار مهيض الجناح، وكان نجاحه فصلا جديدا في معاناة والدته التي راحت تستجدي المعارف والاصدقاء لايجاد فرصة عمل له.
 
اشفق عليها متنفذ، وعيّنه مدرساًً للغة العربية في احدى المدارس الاقل حظا. في بداية العام الدراسي، وصل المدرسة النائية بشق الانفس، وفرائصه ترتعد خوفا لانه بتكوينه الشخصي يعاني من «رهاب اجتماعي»، دخل غرفة الادارة وعرّف نفسه على الهيئة التدريسية، وبعد قليل اشار عليه المدير بالذهاب الى الصف المقابل للادارة، وما ان وضع قدمه على العتبة حتى انفجر الطلاب في ضحك جماعي هستيري!! قال طالب الى جاره اللصيق: هذا معلم طراشة، ومن اوصى به للدراسة   فقد ظلمه وظلمنا معه.
 
رد عليه طالب يجلس خلفهما: اقسم انك ظلمته.. انه فعلا معلم ممتاز، لكن ليس في فصل دراسي بل خلف سيخ شاورما.. تدخل طالب كان يصغي لهما قائلا: حرام عليكو يا شباب، العدالة تقتضي وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، ومكانه الطبيعي سائق «صهريج برتقالي» .. يعني حمال الاسية. بعد ان هدأ الطلاب، جفف عرقه، وابتدأ يشرح لهم كيف ان عنترة العبسي - الذي يحبه - تجاوز سواد لونه وعبوديته، واصبح فارس قومه ومضرب امثالهم، وفرض نفسه على التاريخ والجغرافيا معا، وحين استدار ليكتب الشطر الاول من احدى قصائده المشهورة على «اللوح»، «نَقَفَهُ» طالب يجيد التصويب بمطاطة لسعت اذنه، لكنه تجاهلها وواصل حديثه ثم استدار ثانية ليكمل الشطر الثاني فعاجله الطالب اياه بضربة اخرى اكثر ايلاما، قفز على اثرها حانقا، وانفجر يهدد ويتوعد. 
 
مسلسل الاستخفاف، ظل يلاحقه، الى ان قرر ذات ليلة حالكة السواد الرحيل دون استقالة.. عاد قافلا الى امه الحزينة التي استقبلته باللطم، وتمزيق الجيوب كأنها تقود موكب تشييع الحسين في كربلاء. قضي فترة طويلة بعد تجربته المُحبطة في محاولات ضارية لنظم الشعر، وتشجع يوما وعرض «روائعه» على المحرر الثقافي لاحد الصحف اليومية، ولسوء طالعه ان المحرر كان يكره الشعر والشعراء كما ان ثقافته محدودة، فغطس المحرر العجوز متظاهرا بتقليب الصفحات، الى ان انتهى منها، ثم خلع نظارته السميكة وقال له دون ان ينظر الى وجهه: يا بني انصحك بنشر هذه الروائع الادبية في صحيفة هندية، لانك ستدفن عبقريتك هنا مبكرا. وفي طريق العودة الى البيت لم يستطع من الصدمة تمييز كلام المحرر هل كانت ذما ام مدحا؟!.
 
واصلت الام عملية البحث عن عمل لابنها - العاهة- حتى عثرت على ضالتها. عند فاعل خير في دولة نفطية، وحصل على وظيفة في صحيفة مطمورة تدرج خلالها الشاب من الارشيف الى التدقيق حتى اصبح محررا فنيا، وقد برع في هذا المجال بسبب انطوائيته التي دفعته الى ادمان الافلام والمسلسلات.
 
يعززها عقدة المرأة الكامنة في اعماقه، مما جعله يبدع في الكتابة عن الفنانات وفضائحن وخاصة الراقصات منهن، وكحالة تعويضية وحيلة نفسية يلجأ اليها المراهقون والمكبوتون خاصة اولئك الذين يعانون مراهقة مشوهة. وبضربة حظ انتقل من الفن الى السياسة بعد ان ترك المحرر السياسي العمل لتدني الراتب، وسمعة الجريدة السيئة وسلوك مالكها الشائن وتاريخه المخزي، ودخوله السجن اكثر من مرة بتهمة النصب وتوقيع شيكات بلا رصيد واشياء اخرى يتكتم عليها الجميع. لم يمض على المنحوس اسابيع قليلة على تسلم مهام عمله الجديد، حتى عصفت بتلك الدولة الهانئة الكوارث، ورغم هرب سكانها الاصليون والمقيمون وتلكؤ صاحب الجريدة بدفع رواتبه ظل صامدا، ولم يغادر تلك البلاد الا بعد تدمير مبنى الجريدة بقذيفة طائشة حولتها الى انقاض.
 
رجع الى وطنه الام كسير الخاطر، واستقبلته امه بدمعة يتيمة، وقد تحجرت الكلمات في فمها وبصعوبة بالغة قالت صبر جميل وبالله المستعان. انكب العبقري المنحوس على الكتابة السياسية وبعد اعتكاف مضني دفع بمخطوطته «القلم الرنان في ذم اليهود والامريكان» الى المطبعة وقال لامه هذا الكتاب سيقلب الدنيا رأسا على عقب، وسيقلبنا معه للوقوف على اقدامنا بدلا من الزحف على بطوننا. وخلال ايام اتصلت به المطبعة لاستلام نسخ كتابه، ودفع باقي المبلغ المستحق بذمته .
 
حمل عدة نسخ من كتابه الكنز، وهو يضمه الى صدره، وذهب به الى دار نشر «محترمة» لتسويقه فرحب به الناشر، وطلب منه امهاله عدة ايام لقراءة الكتاب وتقييمه من قبل لجنة متخصصة، واخبره ان هذه هي السياسة المتبعة لدى الدار لاختيار الافضل حرصا على اسمها، وسمعة اسماء الكُتاب المتعاملين معها.
 
لم ينم خلال تلك الفترة، ولما تأخر الرد ذهب بنفسه للاستفسار، فبادره الناشر: كما تعلم يا عزيزي فان البلاد تعاني من عدد من الازمات الخانقة، ومنها شح الورق الصحي، وللصدفة ان لي صديقا يمتلك مصنعاً لورق تواليت الحمامات بحاجة الى كمية كبيرة من الورق، وارى من المناسب لك وله ان تبيعه نسخ كتابك بالكيلو، لاعادة فرمها وتدويرها، وهو على استعداد لتعويضك بعض خسائرك، كما انك تساهم في فك احدى ازماتنا التحتية - جزاك الله خيرا سلفا - خاصة واننا مقبلون على فصل لاهب تكثر فيه الاسهالات الصيفية، ويزداد الطلب على هذا النوع من المحارم.. !!

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

ابوفراس - الرياض08-03-2010

(المنحوس) والنحس .. مشتقة من النحاس (المعدن) .. وقديما - وربما حتى الان - كان المشعوذون يلجأون الى كتابة السحر على صفيحة من النحاس وطمرها تحت الأرض.. في مقبرة او مزبلة.. وكلما ازدادت سوادا كلما زاد حال المسحور سوءاً..

كفانا الله واياكم شر كل شر..

والأجدر يا صديقي بسام ان تستخدم
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

مصطفى العوامله04-03-2010

إنه الصراع الأبدي يا صديقي بسام الياسين بين الواقع الذي يتشكل بالمجتمع من خلال مجموعة من المورثات وبين التمرد على هذا الواقع ونشدان الأفضل الذي يشكل في واقع الامر الطموح المشروع لكل إنسان في هذا المجتمع وأي مجتمع كان ،إن هذا الفرد الذي قمت بتشريح واقعه من خلال البيئة المحيط
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

ابو منصور03-03-2010

المنحوس منحوس

اخي ابو محمد , بطلنا هذا ليس منحوسا فقط بل انه النحس يمشي على قدمين وكان الله في عون امه .

هذه قصة تمثل في بيئتها واحداثها واقعا اشبه بواقعنا نحن . امثال بطلها في مجتمعنا كثيرون ونحسهم على الاغلب آت كأفرازات طبيعية لمجتمعهم .

المآسي المتلاحقة للبطل تش
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.