الباشا

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2010-03-17
1660
الباشا
بسام الياسين

 
الباشا.. رجل مستقيم ومتزن، مهاب ومرهوب موضع ثقة الناس وخوفهم ايضا، هذا هو الطلاء الخارجي لشخصيته. اصيب فجأة بعارض صحي اقعده البيت.. والزمه الفراش. تعاقب الاطباء للكشف عليه وعلاجه. فاختلفوا في التشخيص. 
 
قال اولهم: ان عطوفته يعاني من باصور ظاهر لذلك فانه بحاجة الى عملية عاجلة لاجتثاث الضيف الثقيل، فيما قال الثاني: الارجح انه ناسور مستتر وليس باصورا ظاهرا، ويجب ان يخضع الباشا لعملية تنظير، فالمسألة بسيطة بالنسبة اليه خاصة وانه من انصار مدرسة التنذير، لكن الطبيب العجوز وصف سابقيه بانهم مجرد حمير يحملون سماعات طبية، وان الزائدة اللحمية ما هي الا ورم خبيث. اختلفت التشخصيات، والالم هو الثابت الوحيد الذي يقض مضجع الباشا، ويفسد ايامه، ويؤرق لياليه، وذات زيارة حاول النهوض لاستقبال احد الباشاوات المتقاعدين، لكن قواه خارت، ولم يسعفه جسده المتهالك بالجلوس، فطلب اليه الضيف ان يظل مبطوحا كما كان حتى لا يضغط على نفسه، فعاد وتمدد مثل دودة شريطية.
 
ادرك في قرارته، ان نهايته ازفت، رغم تطمينات الاطباء، ومواساة الزوجة، ونفاق الزوار الذين يؤكدون ان الباشا ما زال عريسا لا ينقصه سوى شابة «تفكفك عظامه» وتطلق طاقات شبابه من عقالها ليعود «الشيخ الى صباه». ظل هاجس الخوف يطغى عليه، واحساس بدخول مرحلة الخطر يلازمه ووريقات روزنامة عمره باتت معدودة، وان عزرائيل قد حجز له تذكرة ذهاب دون عودة one way .. فالغرفة الفارهة المزينة بباقات الورود ذات البطاقات التي تحمل اسماء مهمة ولامعة تحولت بنظرة الى قبر له نوافذ، والسرير بات تابوتا لا يستطيع مغادرته.
 
الباشا جثة تتنفس، وعيون زائغة تدور في محجريها. النملة تستشعر المطر فتختبئ في بيتها، والسمكة تحس بغريزتها بحركة البحر فتلوذ بالاعماق طلبا للامان.. اما هو فاين المفر؟ واين يلوذ؟ جسد محطم، وليس هناك من جحر يأويه، او ملاذ يحميه، والموت يقرع الباب!! استعرض حياته، طفولته، مراهقته، شبابه، زواج اخته الكبرى، وكيف بكى عند فراقها عندما رحلت مع زوجها الى بلد بعيد، حيث كانت هي الام التي ترعى شؤونه بعد وفاة والدته المبكرة. مرت ايامه سريعة امام عينيه كشريط اخبار متحرك على احدى الفضائيات، وفي ليلة حالكة السواد تخيل جنازته الرسمية وجموع المشيعين القلقين، وكل واحد منهم بانتظار انتهاء مراسم الدفن، واهالة التراب على رأسه ليعود الى بيته واولاده...
 
رعدة قوية عصفت به، وهزت كيانه، تمنى لحظتئذ لو انه لم يُخلق، وتناهى الى مسامعه صوت الشيخ رمضان امام المسجد يلقنه قائلا: اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة ولا تجعله حفرة من حفر النار، وفجأة طفى من قاع ذاكرته سجل حياته، ممارسته الوظيفية، علاقاته المعطوبة، اساءاته، تآمره على زملائه، ظلمه للكثير من الناس.. اقتنع ساعتها ان حياته كذبة كبيرة، وان لقب الباشاوية الذي استمات للحصول عليه لا يساوي خردلة. حان وقت المحاكمة العادلة، كل شيء ينقلب ضده.
 
هو الان في حوار داخلي في قفص الاتهام الذي نسجه حول نفسه.. هو الان مجرد من كل اسلحته، وتذكر احد مفاصل تاريخه، شابة صغيرة، خريجة جامعة حديثا، في عينيها لمعة من الذكاء، ومظهرها يدل على فقرها،   ووضعها دفعها للتوسل اليه باكية طلبا للوظيفة لانتشال اهلها من بؤس الحاجة.. كانت صارخة الجمال، كزهرة تستحم بندى الصباح كل صباح. ما ان رآها حتى تدلى لسانه، وتسارعت نبضات قلبه، وارتفع لهاثه، واخذ يلعق لعابه من اطراف فمه، وقد صدق الله في امثاله حين قال: «فَمَثَلَهُ كَمَثلِ الكلب ان تحمل عليه يلهث، او تتركه يلهث». 
 
راودها عن نفسها، فتمنعت وبكت بحرقة، ولكنه استطاع ان يناورها ويستميلها تحت تأثير الحاجة، وسيل الهدايا، حاول الهرب من هذه الذكرى المحفورة في اعماقه، ولم يفلح تحت لسعات الضمير، ووخز التأنيب فاغمض عينيه، وراح يحدق في الفراغ.
 
وفيما هو غارق في التحديق شعر بكابوس يصهر صدره، وهواء اسود يملأ رئتيه، وتراءى اليه انه وصل خط النهاية وسمع صافرة الخاتمة  تدوي في اذنه، جاهد بكل قوة   ليصرخ لعله يبدد الصمت الثقيل الذي يلفه، ويمزق ستار الظلام المخيم عليه، لعل احدا يسمعه، لكن دون جدوى، ولما عجز حاول رفع سبابته - للنطق بالشهادة - ذات الاصبع الذي طالما هزه في وجوه الاخرين مهدددا ومتوعدا لكنه هذه المرة خذله ثم بدأت انفاسه تهبط شيئا فشيئا حتى انقطعت.
 
اعتاد ابنه الجامعي كل صباح، الاطمئنان عليه وطبع قبلة صباحية على جبينه، وحينما انحنى كالعادة احس ببرودة الموت تسري في جسد والده، وبقايا دموع ندم متحجرة في عينيه الشاخصتين الى السقف.. اغلقهما بحنان وهو يتمتم بقوله تعالى «وجاءت سكرةُ الموت بالحق ذلك ما كنت عنه تحيد».
 
في اليوم التالي اقيم له سرادق عزاء ضخم، تقاطر عليه معزون جُلهم من المنافقين لرفع العتب، وتأدية الواجب وهم على عجلة من امرهم ايضا وفي السرادق كان الجميع يتحدثون عن كل شيء، الفساد، التلوث، اخر الفضائح الاجتماعية، حتى ان بعضهم كانوا يتبادلون النكات البذيئة همسا ويتضاحكون سرا، بينما المرحوم لم يحظ باي ذكر او دعاء باستثناء كلمات العزاء المعلبة التي غالبا ما تصرف - مجانا وبالجملة - في بيوت العزاء.. البقية في حياتكم. عظم الله اجركم.. اخر الاحزان.. ولم يقطع ضجيج المعزين الا صوت الشيخ رمضان الجهوري يناشد الحضور الدعاء للباشا بالثبات، وان يحل الله عقدة لسانه لانه يُسأل الان ويحاسب في قبره.
 
وفي حي شعبي من احياء المدينة الكبيرة، وعلى مسافة بعيدة من موقع سرادق العزاء كانت فتاة مطعونة الكرامة، ممزقة المشاعر مثلومة الشرف، تتصفح في غرفة    صغيرة تعازي النفاق التي تملأ الصحف، واصفة الراحل بالرجل الذي قضى عمره في اعمال الخير والتقوى وخدمة الناس..!!
 
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

مصطفى العوامله23-03-2010

إن الباشا في الأساس هو إنسان عادي في الطباع والسلوك ومع ذلك قيل أن (الإنسان إبن بيئته) فإن أصبح هذا الانسان (باشا)مع الوقت وإن كان قد خرج من بيئة ضحلة القيم والأخلاق مشوهة السلوك يكون هذا الامر منعكسا على سلوكه و يزيده شراسة فاللقب الذي أدخل عليه في غفلة من الزمن وما يحمله هذا ا
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

ابو يزن20-03-2010

سامحك الله .. كل من قرأ هذا المقال ظنً أنك تتحدث عنه بالذات , فكثيرة هي أخطاءنا وكثيرة زلاتنا وكثيرة عثراتنا ... ولا ندري ساعة الموت هل سنتمكن من نطق الشهادة , أو الإستغفار .. أو حتى رفع الشاهد للأعلى ... رحمتك ربي !!!!!!!!!!!!
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

مصدوم19-03-2010

عزيزي الكاتب المحترم. في بلدي الاردن العظيم . يقتصر لقب الباشا على كبار الضباط من العسكريين. فاذا كان المقصود لقب الباشا في جمهورية مصر الشقيقة والذي يطلق لمن هب ودب فلا بأس. أما اذا كان المقصود هنا في اردن العز والفخار. فاقول انك أحد الذين يعانون من عقدة الباشا. فالكتابة في كث
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

ابو منصور17-03-2010

من زرع الريح حصد العاصفة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ابو محمد , لو لم تكن صحافيا , لكنت وبجدارة قاصّاً مبدعا لا سيما في الكتابة الاصعب والسهل الممتنع , وهي القصة القصيرة . انت تعرف اني لا اقول هذا من باب المجاملة او المبالغة , بل هي شهادة لله , بان ا
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

عامر17-03-2010

انا اقول للكاتب ان هنالك الكثير من الباشاوات محترمين وعلى مستوى عال من الأخلاق واعلى بكثير من مستوى اخلاق الكثير من مدعي الصحافة فلا داعي لتشوية سمعة فئة معينة من ابناء الشعب الذي قدموا زهرة شبابهم لخدمة وطنهم
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.