مدونات الحكومة ودواوينها

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2010-03-24
1534
مدونات الحكومة ودواوينها
بسام الياسين

الصبر على البلاء، واحتسابه عند الله، اقرب الطرق الى جنة عرضها السموات والارض. ولا ازكى على الله احدا، اذا غامرت بالقول: بان المواطن الاردني سيأخذ اقرب تحويلة الى الجنة.. «تحويلة للاردنيين فقط»، على ما تحملوا من صنوف الاذى وتعدد الضرائب، وارتفاع الاسعار، وفساد الكبار. 

 وبالرغم من هذه الموبقات ظل صابرا محتسبا كسيدنا يعقوب سلام الله عليه « شاكياً بَثَه» - اشد انواع الظلم - للواحد الاحد الذي لا يُضيّع اجر الصابرين، وكسيدنا   يونس في ظلماته الثلاث داخل بطن الحوت، الفقر والظلم وغياب العدالة. حتى «ابيضت عيناه من الحزن وهو كظيم» - ممتلئ غيظا -، فاسودت دنياه، وتهدلت شفتاه كجمل صحراوي افتقد الماء والكلأ منذ قرون.
 
الحقيقة ان الاردني مواطن خرافي، ومحارب اسبارطي لا يُهزم ولا يستسلم ومع انه يحمل قلق الفيلسوف الوجودي، الا انه يحظى بيقين الصوفي المؤمن عندما ادار للدنيا ظهره، حين استطالت اشجارها، وقصرت قامته عنها، وحالت الحوائل دون ان يتفيأ ظلالها، ويتذوق فاكهتها، فضربها بحذائه، بعد ان طلقها بالثلاث، ولسان حاله اناء الليل، واطراف النهار قوله تعالى «تلك الدار الاخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا» حتى بلغ به الامر اذا رأى في الاسواق فاكهة شهية، او لحما طرياً، اشاح بوجهه كانها عورة يؤثم حين النظر اليها، اللهم الا النظرة الاولى الخاطفة ليتذكر نعم الله والاءه على عبادة، ويعزي نفسه بها ان موعدنا الجنة معها ان شاء الله (وفاكهة مما يتخيرون* ولحم طير مما يشتهون* وحور عين*)صدق الله العظيم.
 
بالامس كان الاردني الباسل المرابط لا يغادر البلاد الا متسلحا بشهادة «حسن سلوك» ممهورة بتوقيع جماعة الامر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهي خصيصة انفردنا بها عن دون مخلوقات الله كافة، حتى لو كان المواطن ذاهبا للعمل او الدراسة او العلاج   ولا احد يعرف سر ذلك، هل هو من باب السلامة العامة، او التضييق او الخوف عليه والاحتفاظ به   داخل الخريطة الجغرافية حتى لو ضاعت فرصة عمله، وفقد دراسته. جماعة الامر بالمعروف هي التي تحدد منسوب سلوكه، وفيما اذا كان على خلق واستقامة ام لا.
 
وهي تعرف مصلحته اكثر منه ومن اهله. ومن والديه الذين خلفوه. ثم طلعت علينا الحكومات المتعاقبة بوجوب الحصول على شهادة «عدم محكومية» فالاصل في الاشياء ان المتهم بريء حتى يدان بحكم قضائي، واصبحنا في وضع معاكس فالمواطن اي مواطن متهم حتى يحصل على شهادة عدم محكومية. فهو في دائرة الاتهام والشك وراسه مطلوبة wanted ما لم يحصل على ورقة الطلاق التي تثبت عدم اقترافه اي خلل، فالورقة شهادة ضمان جودة وطنية تؤكد ان حاملهات نظيفا مثل البورسلين الصيني. كما ان مدونة السلوك وتفرعاتها هي اقرب ما تكون الى «رُقية حكومية غير شرعية» وهي غير قادرة على شفاء مصدوع، او ايقاف اسهال مسهول، والسؤال الاستفهامي الاستنكاري كيف تستطيع هذه «الرقية الرفاعية» علاج امراض مزمنة، استوطنت في دواخلنا منذ زمن بعيد .
 
الاجدر بالحكومة القيام بثورة بيضاء ناصعة البياض تسر الناظرين، وان تضع على رأس اولوياتها الافراج عن قانون من اين لك هذا المحبوس في ادراج الحكومة وهو اهم واقوى بالف مرة من شهادات حسن السلوك وعدم المحكومية ومواثيق الشرف وكشف حساب الذمة، وباقي سلسلة الوعظ والارشاد، فقانون من اين لك هذا يحفر على جذر المشكلة كطبيب الاسنان الماهر الذي يحفر على جذر السن المنخور ويمسك بالعصب فيقوم باصلاحه وترميمه اذا كان النخر جزئيا والا فالاولى اجتثاثه من جذوره والقائه في القمامة. 
 
واذا كانت الحكومة جادة في الاصلاح فعليها بادي الامر ان تُفعّل هيئة مكافحة الفساد، وديوان المحاسبة ، وتوسيع صلاحياتهما   وتحصينهما كالنيابة تماما لاعطائهما القوة والقدرة على الامساك بناصية الفساد، واعناق الفاسدين، من اجل تنظيف اسطبلاتها القذرة من الخيول المريضة والهرمة والهجينة بذلك تكون حقا قد انتقلت من التنظير والاستعراض وصرف الوعود المجانية الى دائرة الفعل والتغيير فالاصلاح السياسي اصبح بحاجة الى اصلاح وهذا النهج يلزمه سياسيين محترفين غيورين على اردنهم، وقطاع عام مترهل ضربه الخراب بحاجة الى نفض من «الفه الى يائه» واحلال اداريين مؤهلين اكفاء، لا يعملون بالقطعة، ولا يهبطون بالباراشوت، ولا يحظون بالوظيفة كجائزة ترضية وما ينطبق على السالف ذكرهما ينطبق على الجامعات التي تحولت من مراكز علم ومنارات نور الى مشاريع استثمارية ومولات تجارية. 
 
المُنظّرون يملأون البلد، ويغطون وجه الصحافة «وكَتَبةَ الحُجبْ» من المشعوذين   الذين ينتشرون في كل مكان كقطط شباط الجائعة الشبقة في آن واحد، هذا كله غدا كلعبة البيضة والحجر التي تخطف البصر بداية، وسرعان ما يكتشف المشاهد انه ضحية لخدعة بصرية من النوع الرديء وعملية احتيال مكشوفة. بهلوانيات مواثيق الشرف ضد الطخ بالاعراس، ومنع الاسراف في المناسف، واحتلال الشوارع واطلاق الالعاب النارية   عند التخرج من الجامعات، واسالة دم الذبائح على الارصفة بمناسبة طهور ابن المختار.. كلها مخرجات رديئة لاوضاع اشد رداءة واحمال ثقيلة على محطات التكرير ذات السعة المحدودة والصحيح انه لا حاجة الى كل هذه المواثيق والدواوين والمدونات طالما هناك قانون يحكم البلد؟!!
 
مقولة عثمان بن عفان الخليفة الثالث، ذو النورين، مُجهز جيش العسرة الذي استشهد في يوم رمضاني، وسال دمه الزكي على القرآن الكريم قال مقولته الشهيرة قبل الف عام: ان الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ومن اجل تحقيق العدالة لا بد من تطبيق قوة القانون على الجميع ونتسائل بحيادية لماذا زادت الجرائم في ظل المواثيق والمدونات فاذا كان القانون المحصن بالقوة لم يقف حائلا دون الجريمة فهل وثيقة انشائية او مدونة بلاغية قادرة على تعديل سلوكيات النفس البشرية، وقلب طباع الناس المفطورين عليها ورسم خطوط اخلاقية مبتكرة يلتزمون بها ولا يحيدون عنها.
 
بعد ان دب الشيب في رؤوسهم هذه قصص غير قابلة للتصديق «يا ناس خذونا على قد عقولنا وبلاش تستغلونا وتستهبلونا»، فالاستخفاف بالمواطنين جريمة كبرى عواقبها خراب الوطن - لا قدر الله -   فالسلوك المنحرف هو مرض ميدانه علم النفس السلوكي كالخوف والشك والهوس والزهو وجنون السرقة والعظمة   والمريض المعوج   السلوك بحاجة الى طبيب مختص لتعديله وتأهيله مع اعطائه جرعات كيماوية من اجل اعادة توازنه وانخراطه في المجتمع.. ما دون ذلك يقع في باب الشعوذة والضحك على اللحى «واسألوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون».
 
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

ابو منصور28-03-2010

خواطر ونوادر

ـــــــــــــ

ابو محمد تحية طيبة وبعد .

• كانت شهادة حسن السلوك يا سيدي تطلب من قِبَل الزبائن قبْل المؤهل الوظيفي , وكنا نقدمها طائعين خوفا من ان يفضحنا الولد الشقي المرسل للخارج , امام الناس بسوء سلوكه ...ترى علام كنا نقيس سوء السلوك وحسنه الذي يريده
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

مصطفى العوامله28-03-2010

الرؤية ،الرسالة ،الإستراتيجيات ،الأهداف مصطلحات فاقدة المضامينها وكلمات تستعمل في الدراسة الجامعية ،وتدون في رسائل الماجستير والدكتوراة،في فروع الإدارة والعلوم الإدارية والاقتصادية والسياسية ومثلها الادارة بالأهداف ،وإدارة الوقت ،وإدارة الأزمات ،والتخطيط بأنواعه وتف
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

ابو حمزة27-03-2010

الله يعطيك العافيه يا ابو محمد وسلمت يمينك...شكرا
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.