أسلمة القضية الفلسطينية و «عوربتها»

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2010-03-31
1430
أسلمة القضية الفلسطينية و «عوربتها»
عريب الرنتاوي

 تنساب الطروحات على ألسنة بعض السياسيين والمثقفين في كتاباتهم وخطاباتهم ، من دون أن تحظى بقليل من التدقيق والتمحيض ، وثمة ما يشبه المسلمات في قاموسنا السياسي ، نلقيها على مسامع الآخرين ، أو نتلقاها منهم ، لكأنها حقائق لا يأتيها الباطل عن يمين أو شمال.

 من بين هذه الحقائق ـ المسلمات (؟،) التي تكاد تسمعها في كل محاضرة أو تقرأها في كل مقالة تتناول المآلات الصعبة للقضية الفلسطينية أو تمر بالمشهد الفلسطيني الصعب الراهن ، تلك التي تتحدث عن "انكماش" القضية الفلسطينية ، من قضية إسلامية إلى قضية عربية قبل أن تتقزم وتصبح قضية فلسطينية.
 
إن السؤال الذي يجتاحني باستمرار وأنا أسمع أو أقرأ مثل هذه التوصيفات هو: متى كانت القضية الفلسطينية قضية العالم الإسلامي فعلا ، متى كانت قضية إسلامية بامتياز؟ عن أية حقبة من الزمن يتحدث أصحاب هذه الفرضية ، وما الذي يعنونه بحديثهم هذا تحديدا ، هل أن فلسطين والقدس تهم المسلمين ، من زاوية المشاعر والتضامن والتعاطف ، أم أنها بند على جدول أعمال الدول الإسلامية التي يبلغ عددها سبعا وخمسين دولة؟.
 
إن كان الحديث يدور عن عوطف ومشاعر ، فقضية فلسطين كانت وما تزال وستبقى قضية المسلمين جميعا ، والقدس ، عاصمة فلسطين ، ودرّتها المجلس الأقصى المبارك كانت وما تزال وستبقى جزءا من المنظومة الاعتقادية لمليار ونصف مليار مسلم ، يأتون على ذكرها مرات عدة في صلواتهم كل يوم. هذا أمر صحيح تماما ، ولكن شتان بين أن تكون فلسطين والقدس والأقصى موضع تعاطف وتضامن ، وبين أن تتحول إلى بند مندرج على الأجندة الوطنية لكل دولة من الدول المذكورة ، هذا لم يحدث من قبل ، وهو ليس قائما الآن ، والأرجح أنه لن يكون كذلك في المستقبل المنظور ، فلماذا "التفجع والتحسر" على زمن لم يأت أصلا لكي يمضي ونلطم الخدود عليه.
 
هل المقصود بأسلمة القضية الفلسطينية العودة لمرحلة الحروب الصليبية والناصر صلاح الدين الأيوبي قبل ألف عام أو أقل قليلا؟.. إن كان ذلك كذلك ، فالصليبيون لم يحتلوا في حينها فلسطين وحدها ، ولم يكن هناك قضية فلسطينية من أصله ، هم استعمروا مناطق واسعة من المشرق العربي شملت أجزاء من الأردن وفلسطين وسوريا ولبنان ومصر ، وهي مرحلة بدأت وانتهت قبل ان تظهر الدولة الوطنية (القطرية) العربية الحديثة على أية حال.
 
أما البكاء على زمن مضى ، كانت فيه القضية الفلسطينية قضية العرب جميعا ، فأود هنا أن أتساءل: هل كانت حظوظ فلسطين والفلسطينيين زمن "العوربة" أو "التعريب" أفضل حالا من حظوظهم زمن "الفلسطنة" ، ألم نخسر فلسطين كل فلسطين ، ومعها أجزاء من الأراضي اللبنانية والسورية والأردنية والمصرية التي خضعت بدورها للاحتلال إلى أن تحررت بالمقاومة أو باتفاقيات السلام ، فيما بعضها الآخر ما زال رازحا تحت نير احتلال استعماري توسعي كريه؟ هل كان للحركة الوطنية الفلسطينية أن تنشأ ابتداء ، وأن تحظى بكل هذا الدعم والزخم الجماهيري لاحقا ، لولا فشل "العوربة" و"التعريب" في تحرير الأرض واسترداد الحقوق ، فعلامَ يبكي هؤلاء ، ولماذا تهطل الدموع مدارا هذه الأيام ، أعلى النكبة و"اتفاقيات الهدنة" أم على النكسة و"إزالة آثار العدوان"؟.
 
أصحاب هذه الفرضيات ، ومن حيث لا يدرون ، يأخذون بالرواية الإسرائيلية التي تقول بغياب الشريك الفلسطيني ، وهم يصدقون على ما يبدو بأن إسرائيل جاهزة للانسحاب لو وجد مثل هذا الشريك. علماً بأن القاصي قبل الداني يدرك تمام الإدراك ، بأن الشريك الإسرائيلي هو الغائب عن المعادلة ، وأن إسرائيل الطامعة لحل القضية الفلسطينية في الأردن وعلى حسابه وحساب الفلسطينيين معا ، لم تكن يوما على استعداد لإعادة الضفة الغربية للأردن ، وهي وإن أبدت استعدادا جزئيا غامضا وملتبسا ، فبشروط تعجيزية كتلك التي يرفضها محمود عباس وسلام فيّاض هذه الأيام.
 
مؤسف أن يترك هؤلاء حبل الكلام على غاربه ، وأنهم لم يدركوا بعد الحاجة التي ترقى إلى مستوى الضرورة التاريخية ، لبعث الكيانية الفلسطينية في مواجهة نظرية "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" ، مؤسف أن حساباتهم السياسية الصغيرة تأخذهم إلى مواقع لا نشتهي أن نرى أحدا فيها ، فلسطينيا كان أم عربيا: إنكار حق الشعب الفلسطيني في تمثيل نفسه وبنفسه وتقرير مصيره بنفسه ، من دون انفصال عن إخوانه وأبناء جلدته العرب ، ومن دون انعزال عن العالم الإسلامي الأوسع ، ومن دون تضاد أو تضارب مع الإنسانية التقدمية برمتها.
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.