الحرامي

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2010-03-31
2223
الحرامي
بسام الياسين

فكرة المقالة مأخوذة من حدوته للمراسل العم «ابو صالح»

 كان الطقس جميلا وحنوناً. الشمس ساطعة سطوعاً ربيعياً. نسمات ناعمة تصافح وجوه الناس. طيور تحلق بفرح، اسراب من الفراشات الملونة تتقافز فوق الزهور والاشجار، ايذاناً بقدوم الربيع. فجأة اكفهرت سحنة السماء،وهبطت درجات الحرارة مكذبة توقعات دائرة الارصاد الجوية بطقس جميل.
 
تمرد جوي على فصل الربيع، وانقلاب شتوي على الاعتدال الربيعي وضع فيه الشتاء قواته الجوية والمجوقلة والارضية لمطاردة الربيع. امطار غزيرة، رعود مُبرقة، عواصف شديدة، سيول جارفة، كل ذلك ليسترد الشتاء هيبته المفقودة، ويفرض شروطه القاسية على الناس لارتداء المعاطف، وحمل المظلات واشعال المدافئ وهو يمد لسانه لاجهزة الرصد والراصدين والمتنزهين.
 
في هذا الاضطراب المناخي اضطربت بدورها مُقدمة البرنامج التلفزيوني «يسعد صباحك» وقالت: مشاهدي العزيز: «يسعد مناخك.. وبالتزامن مع شارة البرنامج  في هذا اليوم العبوس «مزطته» امه بمساعدة جارتها العجوز بعد رفض «الداية» رفضا قاطعا الخروج من بيتها قائلة لوالده المنفعل: «لا تخاف عليه، بيعرف طريقه» اما انا فطريقي طين موحلة، يغطيها الضباب. خرج الطفل بعد معاناة مريرة ساخطاً وهو يصرخ صراخاً «يُقّطع نياط القلب» باحتجاج صريح على العالم ولم يدر ان امه لفظته مرغمة من شدة البرد الذي ينخر عظامها الهشة، كسائق فقد السيطرة على مقود سيارته ومكابحها من الزحاليق في طريق تجللها طبقة رقيقة من الانجماد.
 
شب الطفل قويا معافى في بيت متواضع، لاسرة تسكن في قاع السلم الاجتماعي، عاش خلالها طفولة شائكة وشاقة وكرد فعل طبيعي حمل بداخله رغبة جارفة في اختطاف  ما في ايدي اقرانه والى جانبها قائمة ثقيلة وطويلة من الاماني الذهبية. قوته البدنية، وطاقاته العالية، ولدّت لديه شعورا بالزهو والاعتداد بالنفس، وخلقت لديه عقدة التعالي اثناء الدراسة الجامعية مما جيشت ضده الخصوم، ممن يتربصون به، ويترصدون اخطاءه، ولكنه افلح في تجاوز عقباته، ونجح نجاحاً باهراً دفع استاذه الجامعي لمساعدته في الحصول على وظيفة محترمة. خلال عمله الوظيفي بذل جهودا ًجبارة لاثبات وجوده، خاصة انه بلا ظهر يسنده.
 
واستطاع ان يلفت نظر المسؤولين ويحصل على عدة ترقيات في فترة وجيزة لكنه رغم هذا النجاح، كان ما يشقيه القوقعة الصلبة التي تثقل ظهره، وتعيق حركته في المجتمع المخملي «ارثه الاجتماعي» حيث باءت كل محاولاته المستميتة   في تهشيمها بالفشل، وادرك انه في مجتمع استهلاكي، والوسيلة الوحيدة للخروج منها، امتلاك المال.. انه المفتاح الذهبي.. الشيفرة السحرية لفتح المغلق من الابواب.. ولكن كيف؟ فكرة جهنمية لمعت في ذهنه.. سنوات عديدة وانا موظف. حصلت على شهادات تكريمية.. ولكن ماذا بعد؟! 
 
ها انذا مربوط بانشوطة الوظيفة، واركض فوق «قشاط» كمريض بالقلب يراوح فوق جهاز لقياس الجهد.. تعب الاطباء والممرضون منه وانا لم اتعب كحمار الرحى يدور حول نفسه.. لم يثمر جهده وجهاده سوى شهادات تقدير معلقة على الحائط تثير الضحك. مونولوج داخلي، وحوار قاس دار في داخله كاد ان يمزق اعصابه، ويدخله بوابة الجنون، ماذا تنتظر؟ نزاهتك سببها الخوف وليس الشرف.. افعلها ولا تخش احدا ماذا تنفعك نظافتك في مستنقع ملوث؟ ماذا ينفعك صدقك في محيط كاذب؟ 
 
ستشيخ يا ولد قبل ان تحقق امنية من قائمتك الذهبية.. مال الدولة اذا لم تسرقه سيسرقه فهلوي غيرك.. لست انت الحرامي.. الحرامي الحقيقي من حرمك حقوقك في حياة كريمة!! الحرامية لهطوا   البلد، وها هم يتصدرون المشهد، ويتحدثون عن الوطنية والشفافية والنزاهة، وانت تزحف مثل صرصار تلتقط فتات   خبزهم، وما يتساقط من موائدهم.. انت ترقص في العتمة حتى لو سددت مديونية الدولة؟! قبر ابيك بلا شاهد، وامك ماتت ولم تتحقق رغبتها في زيارة   بيت الله!!
 
لا احد يعرف اسمك واسم ابيك، وهم اخترعوا انساباً لهم وكأنهم ينحدرون من نسل الصحابة، ونسوا وتناسوا احذيتهم المثقوبه، جراباتهم المتآكلة من كعوبها، ومعاطف ابائهم من مخلفات الحرب العالمية الاولى لا الثانية.. اولادهم الكسالى يلهفون البعثات والمناصب، وانت تتوسل وتتسول لتعليم اولادك المتفوقين المبدعين. انت كمن يحلم بانتشال سفينة غارقة في اعماق البحر مليئة بالجواهر والاحجار الكريمة وملاعق الذهب، رغم انك تغرق في شبر ماء، وتخاف الغطس في بانيو منزلي.. لا تخف لقد كانوا مثلك، ولكنهم اشجع منك؟! فالمال لا يأتي بالاستقامة والامانة، هذه قاعدة ذهبية يعرفها لصوص الليل، وحرامية النهار.  
 
نظر الى ساعته ولاحظ انه لم يوقع معاملة واحدة وهي المرة الاولى الذي يفكر فيها بنفسه فيما الدوام اوشك على الانتهاء. عاد الى البيت وقدخارت قواه، كأنه خارج للتو من «خلاطة اسمنت» او «عصارة فواكه» ولم يشعر برغبة في تناول الطعام فانزوى في زاوية تكدس فيها سواد الليل ورأسه تشتعل بالافكار.
 
في صباح اليوم التالي انطلق الى مكتبه مبكرا ناسيا ان يحلق ذقنه.. جلس على مكتبه يجلله الوقار، وما هي الا دقائق حتى طرق ذاكرته صوت صديقته التي هجرته: انت حلو القسمات، وحار كصحراء عربية بكر، لم تكتشف نفطها وكنوزها .. غير ان لك رائحة الشيطان، فالفقراء والشياطين لهم نفس الرائحة، ثم تذكر الجزء المفقود من حديثها «الشاطر   من يختصر المسافة والزمن».. رفع رأسه ليأخذ نفسا فلمح امامه تقارير ديوان المحاسبة ذات الاغلفة الانيقة، وتعليمات هيئة مكافحة الفساد .
 
ابتسم ثم سحب من درج مكتبه بقايا زجاجة عطر نفاذ هدية صديقته في عيد ميلاده العام الماضي، رش على بدلته عدة رشات، ولم ينس حذاءه من رشات سخية. وتمتم: لتذهب رائحة الشيطان والمكافحة والمحاسبة الى جهنم وبئس المصير. اخذ يشجع نفسه على اتخاذ الخطوة الحاسمة، مجرد توقيع منك، ودمغة بالخاتم الرسمي، ثم تفتح لك ابواب الجنة الموعودة، فالسماء لا تمطر ذهبا ولا فضة ، توتر قليلا، واخذ يدخن بشراهة، احضر ورقة مروسة ودمغها لتكون رسمية ثم استل قلمه للتوقيع عليها.. وبلا استئذان دخل عليه المراسل العجوز متجهما وهو يستغفر الله وسأله: ماذا حدث يا «ابو صالح» لم يجب ووضع امامه صحيفة «المواجهة» واشار باصعبه الى المانشيت الرئيس ثم خرج.
 
وبعيون زائغة قرأ بالخط الاحمر العريض «القبض على عدد من كبار المسؤولين بتهمة الاختلاس والتلاعب باموال الدولة». تبخرت شجاعته، وتصبب العرق من جسده، واحس برغبة شديدة بالتبول.. في هذه الاثناء عاد المراسل ابو صالح حاملا فنجانا من القهوة بيد مرتعشة.. شاهد وجه مديره المخطوف، والعرق الغزير يبلل قميصه فقال له: سيدي هل استدعي الطبيب.. هز رأسه لا، لا.. استدعي السائق. عاد قافلا الى البيت طرق الباب، فاطلت زوجته، وقد جفلت من عودته   المبكرة، وحالته المزرية.
 
قالت وعلامات الخوف الممزوجة بالاستغراب تطل من عينيها: ما الامر؟   وقبل ان يرد عليها طلب كأسا من الشاي بالنعناع ثم ذهب الى الحمام، بعدها خلع ربطة عنقه، وحذاءه ورمى بنفسه على السرير.. عادت الزوجة الملتاعة بيدها الشاي، فبادرها قائلا: لا تخافي - الحمد لله- لقدتحققت اليوم نبوءة جدي.. ازدادت حيرتها وحسبت ان زوجها يعاني ما يعرف بعلم النفس - هذيان ما بعد الصدمة.. قالت وهي تزم شفيتها: ما هي نبوءة جدك «رضي الله عنه» لم اعلم انه صاحب كرامات وكل ما اذكره انه مات في خمارة شعبية لاسرافه في تناول الكحول الرديئة.. فاجابها مبتسما: اذكروا محاسن موتاكم ، فقد كان المرحوم ذا فراسة وذكاء عكس والدي الذي كان اغبى من مشى على قدمين كما كان يصفه جدي، ورغم ذلك كان يحبه ويحنو عليه ويداعبه امام الناس بضربه على كفله «مؤخرته» وهو يقول: سيخرج من صلب هذا الحمار، حمارُ احمر منه، - والحمرنة   - كما  ثبت واقعيا - نعمة لا يعرفها الا الاذكياء، ولتبسيط هذه الاحجية،   فان حمارا مثلي يكتفي بعليقة شعير ويعود آمنا الى بيته، وينام بين اولاده، خير الف مرة من «حرامي»   يسرق الملايين ويقضي بقية عمره متنقلا بين مهاجع جويدة، ومنتجعات سواقة،   ومرتفعات قفقفا؟!!!! 
 
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

ابن القعدان06-04-2010

أسأل الله ان يديم علينا نعمة الحمرنة وان يحسن خاتمتنا ويخرج أكبر عدد ممكن من المشيعيين في جنازتنا يومنون بحمرنتنا لان الحمار الامين هو الصابر الهادئ المتزن الرابح في عالم اجل من هذا العالم وكلها ستين سنة او اقل وبتهون
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

ابو منصور02-04-2010

هنيئا للحمير !

ــــــــــــــــــــــ

شكرا يا ابا محمد على هذا المسلسل القصصي الرائع والذي له مساس مباشر او مناور بواقعنا المعاش ولا اتصور ان اردنيا واحدا يمكن ان يخطيء في فهم مرامي قصصه المنوعة والهادفة فتحية لك , وبعد .

انتقال سينمائي رشيق من اجواء الطقس العاص
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.