الجامعة

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2010-04-14
1562
الجامعة
بسام الياسين

انفرد الانسان بين كائنات الله بانه يستطيع ادراك كنهة ذاته، واستجلاء مكنوناته، بحيث تكون الذات موضوعا لتآملاته، وهدفا لتفكيره، يعتمد تطورها على توفر وعي   ناضج لدى الفرد، ومناخ اجتماعي مناسب، وتربة صالحة لاستنبات الشتلة الانسانية الغضة، البالغة الحساسية والطراوة ، حواضنها الاساسية الاسرة، المدرسة، الاصدقاء، هذه الاضلاع الثلاثة اما ان تعمل على انضاج الشخصية على نار هادئة او تقوم على احباطها وبالتالي حرقها اجتماعيا.

 الفرد اجتماعي بطبعه، وسيلته العقل في تصريف اموره. فالعقل ظل الله على الارض،   وجوهرته المكنونة   استودعها الذات الانسانية ومن هنا كانت حاجته المُلحة للمعرفة، وعطشه للعلم، وجوعه للبحث. هذه الحاجات مجتمعة ضرورية له كحاجته للحب والاهتمام والقبول من الاخرين، وتحقيق ذاته. فاذا اشبع هذه الحاجات فسيحظى بنفسية سليمة، وسلوك قويم، وقدرة سريعة على التكيف، فالذكاء كما عرّفه علم النفس بانه قدرة الفرد على التكيف مع محيطه. من بديهيات علم النفس والتربية والاجتماع ان الحوار مع الشباب عند تناول قضاياهم ومشكلاتهم باسلوب علمي سيؤدي الى تطوير قدراتهم على التفكير الابتكاري والعكس صحيح عند تهميشهم سيؤدي حُكما الى تقويض قدراتهم، وانسحابهم الى دواخلهم، واحباطهم، واستيلاد نمط مشوه من المتعلمين، ممن يحملون مشاعر الحقد تكون نتيجته اللجوء للعنف يرافقه النزوع الى تدمير الذات عن طريق المخدرات والمسكرات وشتى الانحرافات الاخرى.
 
في هذه المعمعة/ الدوامة يُغفل الجميع حاجة الشاب للانتماء، وهي لا تقل اهمية عن الحاجات السالفة الذكر، فالانتماء للوطن - الانتماء الاكبر والاشمل ثم للنادي الرياضي، النقابة المهنية، الجماعة الدينية، الحزب السياسي، الاتحاد الطلابي، يعطي المنتمي شعورا بالامن والامان لتواجده بين المجموع، ويخفف قلقه، ويمتص اضطراباته الشخصية، الاهم انه يحرره من الوحش البدائي القابع في اعماقه الذي يطل برأسه بين الفينة والاخرى على هيئة انفجارات انفعالية، وميول عدوانية، الكارثة حين اغلاق الابواب عليه، وانسداد قنوات التعبير عن الذات، فليس امامه الا العنف لتوكيدها، وتفريغ طاقاته   عبر قنوات غير مشروعة، ومرفوضة اجتماعية.
 
هذه الحالة تذكرنا بقصة رئيس احدى البلديات الذي حوّل قبل اشهر ملعب البلدة الوحيد، الى مقبرة، وحرم الشباب حقهم في اللعب، تماما كما فعل تيمور لنك بتحويل المساجد الى اسطبلات لخيول جنده، ومنع عباد الله من ممارسة حقهم في العبادة. الحقيقة المُرة ان الشاب الجامعي يعيش تحت ظروف ضاغطة، تتمثل في عجز الاهل عن تلبية حاجاته الاساسية، اضافة لما يراه من تمايز طبقي داخل الجامعة   وخارجها، بسبب غياب العدالة الاجتماعية، واستئثار فئة قليلة بغنائم الدولة، وانحسار احلامه في الحصول على وظيفة متواضعة حيث اصبحت الهدف الاستراتيتجي الوحيد له، ومما زاد في ارهاصاته الارتفاع   الدوري لكلفة التعليم، ورفع سعر وجبة الطعام الاساسية في كفتيريا الجامعة بنسبة مضاعفة تقريبا. الطامة الاكبر هي التلاعب بجينات للتعليم العالي، وتعديلها حسب الطلب كالتدخل بالانتخابات الجامعية، وفرض الصوت الواحد، وقمع الحريات، والنفخ في الجهوية والاقليمية والعشائرية والهاب الروح الفئوية وتعزيز روح العشيرة وتحويل الجامعة الى ثكنة معززة بالامن الجامعي المكشوف منه والمستتر، وزرع الكاميرات، ومنع المسيرات، والتفتيش الشديد عند الدخول من بوابة الجامعة وغير ذلك مما لا يتسع ذكره، ويحظر نشره،   كأختطاف   الجامعة في المنطقة الجغرافية المقامة عليها لمصلحة ابناء تلك المنطقة من ابناء تلك العشيرة. كما رغب احد النواب السابقين بتجيير   احدى الجامعات لحساب «جماعته».
 
هذه العوامل نسجت شرنقة مُحكمة حول عنق الطالب مما ادت الى حالات كثيرة من الاختناق للنقص الحاد في الاوكسجين الاجتماعي كان من نتائجه ما نراه اليوم من انقلاب ساحات العلم الى حلبات للقتال، وما تحطيم المرافق الجامعية الا تعبير سيكولوجي عن اعلى حالات التحدي والتذمر والتمرد. الشرفاء الاوفياء لهذا الوطن الجميل ملزمون بقول الحقيقة مهما بلغ ثمنها وخطورتها ، وعدم جواز مجاملة احد على حساب الحق اذ ان هدفنا المعلن والمضمر التصحيح لا التجريح، المكاشفة لا المناكفة   فالجامعة ليست موقعا لاهوتيا مقدسا فوق النقد، وفي السياق ذاته لا عصمة لمخلوق الا للانبياء واخرهم محمد عليه الصلاة والسلام. وقد مات ولا نبي بعده. 
 
نقول بصراحتنا المعهودة ان التعليم الجامعي الحالي انتج طالبا مفرغا من الثقافة والسياسة والعلم والذكاء الاجتماعي ينزع الى الاقليمية والعشائرية والجهوية والحاراتية وتسللت هذه الروح الى الملاعب وتحولت الروح الرياضية الى شغب دامٍ وانفلات من كل الضوابط الاجتماعية والاخلاقية. ومن اجل عودة الروح   يجب فك الارتباط بين الامني والتعليم الجامعي/ الامني والانتخابات الطلابية/الامني والتوظيف بالجامعة/الامني والتعيين/الامني والبعثات الجامعية/الامني وملاحقة الطلبة داخل الحرم الجامعي/ ووقف العسكرة حول الجامعة/اي استقلال الجامعات اسوة بالقضاء. 
 
احداث الجامعة المؤسفة ليست الا مرآة لما يقبع في داخلنا، وما يدور في افكارنا من ثقافة فاسدة، وحمية جاهلية، يكشف مدى الخلل والقصور في التعليم الجامعي، والفشل الذريع في صقل الشخصية وتأهيلها بما يتلائم مع قيم المجتمع، وعليه فقد اصبح من لزوم ما يلزم صياغة بديل للتعليم القائم لانه صار من مخلفات الماضي «نموذج البيضة والرغيف» المعتمد على التلقين والحفظ وقانون الزجر والنهي والعصا الطويلة.
 
الجامعة الحديثة ذات المواصفات العالمية هي مركز للبحث العلمي، ومنارة للوعي الفكري، وحاضنة للفكر الوطني ومختبر للابداع تتلخص وظائفها بالبحث والمعرفة والتعليم وان يكون دور اساتذتها كعلماء وباحثين وموجهين لا ملقنين او عاملين بالقطعة او بالواسطة كي تنتقل الجامعة من حالة الضعف والعجز الى حالة الانجاز والاعجاز.ورد الاعتبار المالي والمعنوي للمبدعين المتفرغين منهم. ومن موقف وطني اصيل، وامانة فكرية، وغيرة على المصلحة العامة من خلال تمحيص الافكار الصحيحة عن الافكار المكذوبة فان الحرية بشتى مسمياتها وتلاوينها لا تمثل خطرا على سلامة الدولة وهي الاجدى نفعا من النفاق الفكري والتشويه العلمي، والتملق للسلطة اذ ان حرية الرأي مكفولة دستوريا وهي ضرورة اجتماعية حتى يعم الامن والسلام بين الناس.
 
في العقد الاجتماعي فوض الفرد سلطته للدولة لتحميه، لذلك لا يجوز لها العمل ضده، وسلبه حريته التي فوضها لها بارادته الحرة والا فالنتائج الطغيان الفكري والتعصب الاعمى للقبيلة، واضطهاد الاخر، والتمسك الجاهل بالخرافة، واللجوء للعنف بلا مبرر، كحالة تعويضية بائسة عند الشباب في ظل غياب الاهتمام بالقضايا الوطنية والقومية وحتى الانسانية، وفقدان الاهداف الكبيرة. والسقوط المدوي للدور الفكري والتنويري للتعليم العالي الذي وصل الى درك الاضمحلال. بعد هذه العجالة من الانصاف الاعتراف ان ازمة الجامعة ليست حالة خاصة بل هي جزء لا يتجزأ من ازمة المجتمع المأزوم اصلا.

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

فراس القعدان17-04-2010

السلام على الوطن الجميل ،المواطن ليس ملك الاسرة الضيقة او العشيرة وانما ملك الوطن فله ما لها وعليه ما عليها ،ان فقدان ذلك الشاب قبل ايام معدودة لم يينحصر فقدانه على اسرته وعشيرته بل على كل الوطن .

الانتماء هو الروح في الجسد لا يأتي بالتمني والشعارات والمزاودات والمصالح ا
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

مصطفى العوامله15-04-2010

لقد توقفت التربية كمصطلح علمي واقعي ملائم لمجتمعاتنا العربية نظرا لكثرة المنظرين التربويين الذين حصلوا على مؤهلاتهم العلمية في الغرب المتفسخ الفاقد لكافة عناصر السلوك الأجتماعي الذي فطر الله عليه خلقةوأقلها الدواب والهوائم فدخلت النظريات الفجة الهجينة التي بهرت الدارسي
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

؟؟؟؟؟؟15-04-2010

محاضرة مطولة في علم الاجتماع كان يمكن اختصارها بمقال قابل للقراءة.
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

ابو منصور14-04-2010

شكرا لك ابو محمد على هذا المقال التحليلي الواضح والنافع لمن يهمه الامر ويريد ان يفعل شيئا لموضوع المقال .

التعليم والقضاء هما من اكثر المهن التي تحظى بالتقدير والاحترام ولهما ما يشبه الحصانة , في الدول المتقدمة المنتجة . فالتعليم هو صنع للعقول المبدعة والمنتجة والمصدرة
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.