المتسللون.....

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2010-04-21
1305
المتسللون.....
بسام الياسين

 

   قاموسنا  السياسي  يعج  بالكلمات المعطوبة، والمصطلحات  الممجوجة  التي جللها الصدأ  بسبب استخدامها  الخاطيء  من مسؤولين  وسياسيين  وكتبة. وفقدت اثرها  وتأثيرها  لسقوط  قميتها في بورصة اللغة، وتدني سعرها في المحافل الدولية،  حتى اصبحت موضع سخرية، ومثار نكتة، وما شهدناه  من مباراة ساخنة  في مضمار السباق  التصريحات بين وزراء  الخارجية العرب  في شجب «اسرائيل»، والتنديد  بها لعزمها  طرد «المتسللين» الفلسطينين وفي واقع الامر اننا بلغنا  الدرك الاسفل ضعفا  وافلاسا، وما العنتريات اللفظية  على الفضائيات  الا  بلهوانيات  استعراضية تثير الضحك لا الاعجاب لانها  معبأة الدلالة على براعتنا  في حبك العبارة،  وهلعنا  في التلويح   بالرصاصة. وذروة  ما فعل النظام العربي المتمترس خلف  مبادرة رغم انها  تجيفت دوليا، وتحللت واقعيا،  واكرامها لا يكون الا في دفنها. الشجب، التنديد، الاستكار، الواقعية،  الموضوعية،  كلمات «فقدت سمعتها وهيبتها»  كما قال مفكر عروبي،  وبرهنت  عمليا ان النظام العربي ظاهرة  صوتية نشاز،  و«محام فاشل لاعدل قضية على الارض». في السياق  ذاته  يقول مفكر غربي، ممن  درسوا احوال العرب،   وتخصصوا في قراءة سلوكياتهم: ان العربي اذا قال شيئا عن شيء،  ازاح  عن كاهله عبء فعله، فالكلام يعطيه راحة ضمير ويعفيه من فعله،  فلعبة  التصريحات التحذيرية  المسحوبة من البنك اللغوي  والسجل الاستنكاري الضخم لم يعد فيه متسع  للكلام  ولم يعد   يحتمل هذا الهذر والاسفاف، وكل   هذا العبث المضاد للعقل والمنطق والتاريخ. سؤال مشروع لكنه قاس جدير بالطرح: هل  وصلنا الى نقطة اللاعودة، وتجاوزنا مرحلة   اللامعقول الى فقدان الوزن. وبلغنا من العدمية التوسل للامريكان  وطلب الغوث منهم، وكبر  هذا الوهم في دواخلنا كالحمل الكاذب، وترسخ في عقولنا كالوسواس القهري  لحمايتنا، واسترداد حقوقنا، فصار البيت الابيض قبلتنا، ومربط خيلنا،  وشطبنا تاريخنا وحضارتنا ووجودنا، وحولنا مجمل طاقاتنا الى دموع   على خرابنا، ومسخنا  امكانياتنا اللامحدودة الى قصائد  رثاء على اطلالنا. اسرائيل منذ تأسيسها حتى اللحظة،  هي مسلسل دموي  من القتل والتبشير بالقتل، ارتكازا  على الرؤيا السياسية  لجنرالات  الحرب «بان العالم لا يشفق على المذبوحين، لكنه يحترم المحاربين»،  وعلى دول الجوار ان تتحمل ما يفيض عن مشروعها  الاستيطاني  الصهيوني من «متسللين» ومُهجّرين  ومطرودين. الم يأن  للنظام العربي معرفة ان المشروع الصهيوني  من النهر الى البحر  هو نشيدهم الوطني «الهاتكفا»  في معسكرات الجيش وساحات المدارس،  وان العربي الحقيقي  هو البدوي التائه في الصحراء،  وتجسد ذلك  بوضوح في قمم عربية «تفرقنا»  والسيدة هيلاري كلنتون «تجمعنا»  وتسحبنا  بمذكرات جلب مخفورين من شواربنا  الى حيث تريد!! سبعون عاما  على الاحتلال الصهيوني  لم يتقدم العرب خطوة باتجاه السلام او الحرب، واختزلت مطالبهم بوقف الاستيطان،  والتوسل لاسرائيل بمراعاة  قواعد الاحتلال بالاقلاع عن اقتلاع الفلسطينيين،  ولم يرق َ موقف عربي الى موقف  اردوغان التركي، او حتى القاضي  غولدستون اليهودي فيما نتنياهو  «بيبي» -الصهيوني  ما زال يشن حروبه، وشتائمه، ويوزع توبيخاته وتحدياته  دون ان يواجه خصما  عنيدا  او  صفعة جريئة. وظلت  الساحة مستباحة له،  انطلاقا من يقينه القاطع:  ان القوة تصغ   الحق على الارض، وفوق المنابر الدولية، وفيما يدخل العالم العصر النووي نتمسك بالمبادرات لايماننا الخاطئ بان التاريخ يصدع للمشيئة الامريكية،  وينفذ صاغرا تعاليمها. مع اننا نعلم علم اليقين  ان المقاومة  العراقية افشلت المشروع الامريكي/الصهيوني  في صياغة شرق اوسط جديد، وحفاة طالبان كسروا  خشم  حلف الناتو، ومرغوا  كرامته في وحول افغانستان. «بيبي» في كتابه « مكان تحت الشمس» يعلن صراحة ان «العرب لا ينصاعون  الا لسلام الردع،  فاذا فشل  فبقوة  السلاح»، وفي موقع اخر يقول: «ما هو مشجع تراجع الدول العربية المستعدة للاعتداء على اسرائيل» ففي عام ٤٨  حاربتنا   خمسة جيوش عربية  وفي ٦٧  حاربتنا ثلاثة دول وفي ٧٣  هاجمتنا  اثنتان، وفي ٨٢  دخلنا الى لبنان لاجتثاث المنظمة وبعد  هذه الهزائم العربية  يطالب  بيبي بالتسليم المطلق بوجود اسرائيل،  دون شروط،  والغاء المقاطعة،  ووقت تسليح الجيوش العربية،  وقبول اسرائيل  دون تحفظ،  ولكن   بيبي غفل ما يقوله  رب الجنود «يهوه»  وربه هو   في  التوراة  بتحريم عقد اي حلف مع الغرباء «لا تقطع  معهم - اي لا تقم - مع سكان الارض، ولا مع الهتهم   عهدا»  فهل اوضح وابلغ  من هذا؟ وبيبي المتدين  يقود حكومة دينية تنفذ تعاليم الرب؟! ولم  يقف اليهود عند هذه الصفاقة بل افترى «التلمود»  كتابهم المقدس  على الله بالقول: «لقداعترف الله  بخطئه  بتصريحه في تخريب الهيكل فصار يبكي  ثلاثة ارباع الليل»  وها هم يعملون على اعادة  بنائه على انقاض الاقصى الشريف ثالث الحرمين. ولا بد من نبش الماضي  لاضاءة المستقبل، والوقوف عند المفاصل التاريخية المهمة واستعادتها  للذاكرة لنراها بعين البصيرة بعد ان أصبنا  بعمى البصر. في عام ١٧ ٦-١٧٩   حذر الفيلسوف والمفكر  الامريكي بيجامين فرانكلين الولايات المتحدة  الامريكية من الخطر الصهيوني في  وثيقته المحفوظة في بنسلفانيا: «اذا  لم تطردوا اليهود الى الابد فان اولادكم واولاد اولادكم  سيلعنونكم في قبوركم» الى ابد الابدين ، وفي  سياق متصل كشف ابرز  فلاسفة القرن السابع عشر الفيلسوف  اليهودي  سبينوزا في كتابه «رسالة في اللاهوت والسياسة»  الشخصية اليهودية  باسلوب موجز  ومكثف: «اتى الوحي الالهي  على الشعب اليهودي  للتخلي عن طبيعة الحسية المادية، وتكوينه الوثني الفطري، لكنه ظل مجتمعا عصيا وعاصيا يميل للربا والعدوان».  ويؤكد سيجموند  فرويد اليهودي ابو علم النفس الحديث ان «يهوه»  اله اليهود عنيف وشرير وعد العبرانيين  بارض تفيض باللبن والعسل كما وعدهم بابادة سكانها الاصليين، فيما دعا داعية السلام الاممي  المهاتا غاندي من  منطلق  كراهيته للعنف والصهيونية «ان اليهود بامكانهم تحقيق صهيونتهم  في اي مكان غير فلسطين»  وكلمة صهيون اسم كنعاني يعني الرابية «المكان المرتفع» وجرى  تحريفها مع الزمن حتى اصبحت تعني الحكومة الدينية،  وهذه الحكومة لم تتحقق منذ نشأة  اسرائيل الا هذه الايام برئاسة نتنياهو. ومن الامانة العلمية ابراز  الدور المشرف للبابا «بيوس العاشر» في الرد على  هرتزل عام ١٩ ٣  حينما عرض عليه الاخير فكرة انشاء وطن قومي لليهود فاجابه «القدس اصبحت مقدسة لعلاقتها بالمسيح،  ونحن نرفض  اقامة يهودي  فيها لانكم  لا تعترفون  بمخلصنا» ومثله فعل السلطان  عبدالحميد بالرد على هرتزل   ذاته: «ان ارض  وطننا لا تباع بالدراهم،  ولا يمكن التفريط  فيها». وظل هاجس بن غوريون  مؤسس اسرائيل حتى اغمض  عينيه كما يقول: ماذا  لو قام بين العرب من يشبه كمال اتاتورك   الذي وحد الاتراك يلم شعثهم، ويوحدهم وراءه.. ماذا  يبقى من اسرائيل؟!،  وجاء السادات بانقلابه على العروبة والاسلام والتاريخ والحقائق  وتعاليم القرآن الكريم،  ليبدد مخاوف حكام اسرائيل بتوقيع معاهدة كامب دافيد الذي وصفهاعتاولة الصهيونية بانها تعادل نشأة اسرائيل في الاهمية. وفي معاهدة اوسلو  شطبت  منظمة التحررير الفلسطينية الميثاق الوطني  الفلسطيني، واطلق عرفات كلمته الشهيرة بالفرنسية «كادوك»  اي الغاء الثوابت  الفلسطينية من اجل موطئ  قدم ورفع العلم ولو على  متر من الارض، وكان اهم نتائج الاتفاقية تجميد المقاومة،  وسيطرة دايتون على اجهزة الامن الفلسطيني، وبروز طبقة الاثرياء  الجدد،  والتسابق في طلب رضاء الامريكيين والاسرائىليين  وكانت النتيجة سجن عرفات بين اربعة جدران  حتى مات مسموما  او قهرا.  وما ينسحب  على كامب دافيد واوسلو ينسحب على معاهدة وادي عربة  التي كان من اهم بركاتها تحويل نهر الاردن الرمز الى مصرف صحي لمخرجات السلام، وتهديد جنرالات اسرائيل الدوري للاردن بانه الوطن البديل، والتلويح بترحيل الفلسطينيين حتى ان عراب المعاهدة عبدالسلام المجالي تنصل منها مؤخرا  واعترف بعظمة لسانه انها غير قادرة   على وقف اطماع اليهود او رسم الحدود. ختاما نقول ما قاله رب العالميين لا ما قاله رب نتنياهو  وليبرمان ورب الجنود «يا ايها الذين امنوا  اتقوا الله وقولا  قولا سديدا»  وقولوا لنا:  ماذا اعددتم للفلسطينيين  «المتسللين» سوى المزيد من الخيام، وبيانات الاستنكار؟!!

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

مش مهم27-04-2010

احيانا يا سعادة الكاتب لا نجد طريقة للعمل الا بالتعبير عنه لاننا لم نحصن انفسنا نحن وابائنا واجدادنا حتى نستطيع التعبير بالطريقة الحقيقية الا وهي الجهاد وفاقد الشيء لا يعطيه وحسبي الله ونعم الوكيل ويا ألمي على نفسي وعلى ما جنيته من كبدي .
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

ابو منصور22-04-2010

اخي ابو محمد تحية .

ما قاله المفكر الغربي صحيح وقد ينسحب على الاغلبية ولكن ليس على الجميع . عادة ما يلجأ العاجز عن احداث التغيير بيده الى لسانه وهذا ايضا سلاح وضروري , على ان لايكون مقطوعا عن اليد تماما والى الابد . المرء باصغريه قلبه ولسانه الذي ياتي بعد اليد مرتبة حسب ما
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.