المثقف .. السياسي.. الثورجي!!

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2010-05-04
1522
المثقف .. السياسي.. الثورجي!!
بسام الياسين

اذا كان لا يُنكر تغير الاحكام بتغير الزمان، فمن باب اولى انه لا يُنكر تغير احوال الرجال عند كثرة المال، وتبدل مواقف بعضهم حين تتغير مواقعهم، دليلنا ان كثيرا من المثقفين والحزبيين والسياسيين اصحاب «الافكار العظيمة» انقلبوا على مبادئهم، وباعوا انفسهم، وتنكروا لافكارهم، وداسوا على مواقفهم بمجرد التلويح لهم بالموقع، والنمرة الحمراء.
هذه طبيعة انسانية يسيل لها لعاب بعض الانصاف والارباع من الرجال، حتى تراهم نسخة مغايرة لما عرفها الناس عنهم، وما ان يحتل موقعه الرسمي حتى تنهض شخصيته المخبوءة، لتلغي الاولى بطريقة احلال عجيبة، وتحاربها وتُنكرها وتَتَنكر لها. فالوديع يصبح شرسا للصلاحيات الواسعة الممنوحة له، واليساري المتطرف يغدو «يميناً عفناً» كما كان يتهم خصوصه - ايام زمان - الاكثر طرافة ان الثورجي الذي كان يرتدي «المبرقع» ويتمنطق بالسلاح، ويبشر بثورة البروليتاريا الماحقة تراه مثل ثعبان ماكر ضاق بجلده القديم ووضع نفسه بين حجرين لخلعه والتملص منه، وارتدى جلد ارنب ناعم الملمس، ووداعة دجاجة مسالمة لا تقوى على الحركة مثل دجاج المزارع اللاحم من كثرة العلف.
المواقف الصعبة كالنار تماما تكشف معادن الرجال، وتصنفها بين نفيسة وخسيسة، مثال ذلك ان الحرب اللبنانية الاهلية فضحت اسرار الناس وخباياهم، وعرت دواخلهم، فالشيوعي المؤدلج انقلب الى طائفي بغيض، والمستقل نصب متراسا على قارعة الطريق، والليبرالي التحرري اصبح قناصاً يضارع ابطال الكاوبوي، والمثقف الذي كان يدعو الى نبذ الطائفية والجهوية والفئوية صار يقتل على الهوية والمذهب.
السيناريو ذاته تكرر في العراق، فالاحتلال كشف سوءة الطبيعة البشرية، وجردها من استارها، وصورها باوضح صورها، واعلى تجلياتها. فانطلقت الغرائز من عقالها، وتحولت المدينة الى غابة، وداس الناس القانون والاعراف والتقاليد والقيم وكأنهم شربوا من نهر الجنون، ولم يستطع الدين والاخلاق ضبط الانسان/ الوحش المنفلت. واللافت ان صاحب المبادئ بالامس هو اكثر الناس خيانة لمبادئه، وانقلاباً عليها، والسبب هو قدرة هذا المثقف الوصولي على تبرير خيانته بما أُوتي من علم وثقافة، وقد فُجع الجميع بسقوط اسماء كبيرة من ادباء وشعراء وصحافيين وسياسيين ممن باعو شرفهم للاجنبي، وقامت فئة منهم بتسويغ الاحتلال فيما تحولت فئة اخرى الى لصوص ومخبرين ثقات - يعملون بالقطعة - وابواق تنضح عفونة داعية الى تقسيم العراق واخراجه من عروبته.
حتى بلغت ببعضهم الوقاحة اضفاء التقديس على بوش الاب والابن وروح الشر بلير ، واعتبروا الجيش الامريكي خشبة الخلاص.. هؤلاء الدمى ما زالوا احياء يرزقون يدافعون عن الاحتلال واسماءهم تزين الصحف الرخيصة والفضائيات المأجورة.
ما حدث في العراق ولبنان من مهازل يحدث في كل مكان، وان كان بصور مختلفة، ومن القصص التي لا تبرح ذاكرتي ذلك الصديق الاممي الذي ناضل من اجل الحرية، وسعادة الانسان المعذب، وبمجرد التلويح له باحدى الغنائم الدسمة، واذا به كالبركان النائم ينهض من سباته، ويطلق حممه ضد ماضيه ويرجع الى ذهنية الحارة. واخر قومي صار يرى خلاص الامة وتحريرها وسعادتها بالاقليمية، وان الاقليم فوق الجميع وعلى رأس الجميع لكي يثبت ولاءه، ويدفع تهمة الوحدوي عن نفسه، والمضحك حينما انتهى دوره و«حلاقوله على الناشف» دخل في حزب الكآبة منطويا على نفسه بعد ان نسف كل جسور تواصله مع الاخرين. فهؤلاء قابلون للقولبة كالفخار الطري، والتشكل في اي اناء يسكنون به كالماء بسبب رخاوة شخصياتهم.
ومن خلال القراءة العلمية السيكولوجية نجد ان المرتدين عن مبادئهم، ينتمون الى عدة طبقات، لانهم مختلفوا المراتب والمشارب والدوافع، بعضهم تستهويه الشهوات الدنيوية او انها كتعويض عن احلام صبيانية قديمة، في البحث عن النفخة والوجاهة الفارغة، وبعضهم ستر نفاقه ردحا من الزمن بالمعارضة حتى تأتيه الفرصة المواتية، فيما انصار الفرقة الساقطة تخلوا عن اماناتهم في اول مواجهة، ولم تكن اصواتهم العالية التي خزقت طبقة الاوزون الا للفت النظر، وعرض بضاعتهم الكاسدة من اجل تسويقها.
هذه النماذج تذكرنا بقصة الرجل الذي بعث به رسول الله صلوات الله عليه الى مسيلمة الكذاب ليدعوه وجماعته الى الصراط المستقيم، ولكن «الكذاب» كان من دهاة العرب وراح يستغويه بكل الوسائل حتى اخرجه عن دينه، وآمن به، ولم يكتف الرجل بانقلابه على دينه ومبادئه بل كذب على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم بانه سمعه يشهد لمسيلمة الكذاب بالنبوة، المثير في القصة ان هذا الزائف كان اول من ركب حصانه وولى هاربا عندما وصلت طلائع جيش المسلمين لتأديب المرتدين بقيادة القائد العبقري الذي لم يُهزم خالد بن الوليد.
نسأل اولئك الذين نافحوا عن اليسار والليبرالية والاخوان السابقين وممن عشعش الفكر القومي في ذهنياتهم ممن يحتلون مواقع رسمية متقدمة اليوم، ما الحكمة في التضييق على الطلبة، والتدخل في انتماءاتهم، وزرع الكراهية في نفوسهم لوطنهم من خلال احباطهم، وقمع حقهم في التعبير عما يجول في عقولهم؟ وهل حدود الجامعة تقع فقط بين دفتي كتاب جاف؟! وما هي المنافع التي تعود على الدولة في معاداة جيش كامل من المعلمين وذويهم وطلبتهم المتعاطفين معهم؟!
وما هي الاضرار المترتبة على تأسيس نقابة للمعلمين تنافح عنهم، وتحل مشكلاتهم وتلم شملهم، وتدافع عن حقوقهم بعد ان اصبح المعلم في قاع السلم ماديا واجتماعيا؟! ولماذا لا نجري مراجعة دورية لذواتنا، ونُقّيم خططنا، ونعيد التدقيق في سياستنا بشفافية ومهنية، ونُسقط بعد دخولنا القرن الواحد والعشرين المعايير الامنية، والتقارير السياسية المكذوبة والموقعة باسم فاعل خير.
لا احد يبحث عن جمهورية افلاطون!! ولكننا نبحث عن ازالة الشك والتوجس واللاثقة والخوف المتبادل القائم بين السلطة والناس والمحافظة على القوى الحية المخلصة التي تراعي قيم المجتمع الاردني، وتحافظ على عقيدته وتحمي تقاليده.
ما سبق يقودنا الى محصلة واحدة ان بعض المسؤولين هم من يصنعون الازمات، فانَّى تدير وجهك تجد ازمة تصدمك، من الوزن الثقيل تنخر في الكيان المجتمعي.
ما يحز في النفس ويجرح الروح، هو تطبيق القانون الاقتصادي «العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من سوق التداول» تطبيقا خاطئا على الناس وكأنهم قطع نقدية متشابهة مما دفع بالخيرين والاكفاء للخروج من السوق بفعل هجمة الرداءة، للبحث عن العمل والذات معا خارج البلاد او انكفأوا على انفسهم وهم يحملون ضمائر مثقلة بالهم الشخصي والعام، ونفوسا مكلومة نازفة بسبب التطبيق الجائر والظالم لهذا القانون اللا انساني على طريقة القطيع.
خاتمة القول انه لا خلاص، ولا اصلاح الا باستعادته «العملة الجيدة» مكانتها في سوق التداول، والخلاص نهائيا من العملة الرديئة التي يتعامل معها الاردنيون بقرف وعلى مضض، فالجميع ينتظرون الارادة السياسية بسحب العملة التالفة القديمة وفرمها حتى تعود الامور الى نصابها، وتسود العدالة بان يأخذ كل ذي حق حقه.

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

مصطفى العوامله05-05-2010

الخواء السياسي الذي ظهر جليا عند دولة تعتبر نفسها ( أو تظن أنها ) قاعدة السياسة في العالم العربي وقائدته ، وأنها المحور المؤثر في قضاياه المصيرية ، وسبب هذا الخواء هو الإفلاس الفكري والثقافي لديها ، اللذين أفرزا الرعب السياسي لدى صناع القرار والمنتفذين بهذه الدولة ، وذلك من
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

ابو منصور05-05-2010

قال تعالى " قتل الانسان ما اكفره "

اخي ابو محمد احييك واقول :

مقال فيه وصف دقيق ورشيق لحال الكثيرين ممن تساقطوا في مراحل مختلفة من دروب الحياة . يا لله كم هو صعب الوثوق بثبات من قال عنه تعالى " وهديناه النجدين " . وحده الانسان تميز بهذا الوصف عن باقي المخلوقات , فقلوب الع
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.