قراءات «نشاز» في مسألة الوحدة والانقسام

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2010-05-26
1456
قراءات «نشاز» في مسألة الوحدة والانقسام
عريب الرنتاوي

ثمة قراءات "نشاز" للانقسام الفلسطيني الداخلي تدعو للغثيان حقاً ، ظاهرها فيه الرحمة وباطنها فيه العذاب ، وأقل ما يمكن أن يقال فيها أنها خارجة على العقل والمنطق والتاريخ. فعن أية قراءات نتحدث وكيف ذلك؟، واحدة من هذه القراءات ، وربما أخطرها على الإطلاق ، تلك التي "تبالغ" في تقدير أثر الانقسام وتأثيراته ، فترمي بمسؤولية فشل "عملية السلام" وتراجع فرص قيام دولة فلسطينية "قابلة للحياة" على كاهل الانقسام والمنقسمين ، مع أن عمر الفشل والتراجع المذكورين أبعد وأطول بكثير من عمر الانقسام ، وهما سابقان له بسنوات ، فما الذي كان يمنع عملية السلام من التقدم ، ولماذا لم يتقدم العالم بخطى حثيثة للمساعدة في قيام دولة فلسطينية مستقبلة ، حين كان الفلسطينيون جسما موحدا وعلى قلب رجل واحد؟،.

 والأهم من كل هذا وذاك ، أن الذين يلقون باللائمة على الانقسام ويحملونه مختلف المسؤوليات والأوزار ، هم أنفسهم ، وغالباً بتوجيه أمريكي ، الذين عطّلوا - وما زالوا يعطلون على أية حال - مختلف محاولات استعادة الوحدة الوطنية ، وفي مختلف المراحل ، من الرفض الأمريكي لاتفاق مكة إلى رفض ديك تشني لاتفاق صنعاء ، إلى الفيتو الذي أشهره السيناتور ميتشل في مواجهة آخر محاولات إتمام المصالحة في القاهرة إلى غير ما هنالك.
 
ثانية هذه القراءات ، تلك التي تستخف بأثر الانقسام ، بل وتستحسنه وتجاهر برفض جهود المصالحة ، تارة تحت عنوان "توزيع الأوراق الفلسطينية في مختلف السلال والجرار العربية والإقليمية" لضمان الخروج بـ"قليل من الحمص" في لعبة المحاور والمعسكرات العربية أياً يكن الطرف الغالب فيها ، وتارة ثانية بحجة أن "الانقسام الذي يبقي جزءا من الشعب الفلسطيني خلف خيار المقاومة أفضل من الوحدة التي تدرج الشعب بأسره خلف خيار المساومة" ، وفي ظني أن كلتا النظرتين قاصرتين وتنطلقان من يأس مغلّف بعبارات "فوق وطنية" و"فوق ثورية".
 
فالحديث عن توزيع الأوراق الفلسطينية على مختلف المحاور ، يتجاهل حقيقة أن فوز أي معسكر على آخر إقليميا ، إنما يعني تمكين فريق فلسطين من حسم المعركة مع الفريق الآخر ، فتوزيع الأدوار المدروس والمعد مسبقاً ، تعبر عن أقصى درجات الوحدة والتوحد والثقة المتبادلة وروحية الفريق الواحد ، فيما الانقسام الفلسطيني يدفع بأحد أطرافه للاستنجاد بالإسرائيلي ضد الطرف الآخر ، والذي يقوم بدوره بصرف كل طاقاته وجهوده في مواجهة "الآخر الفلسطيني" بدل العدو الإسرائيلي.
 
والتحذير من خطر وحدة وطنية تحيل الشعب المقاوم إلى شعب مستسلم فيه الكثير من التبسيط ، فالشعب لا يمكن أن يتوحد خلف خيارات "استسلامية" ، والشعب لا يمكن أن يتحقق إجماعه خلف خيارات خاطئة ، وبوصلته أصدق بكثير من مختلف التحليلات والتنظيرات التي لا تصمد طويلا أمام التطورات.
 
وحتى بفرض أن إجماع الشعب تحقق خلف بعض الخيارات الخاطئة ، فإن منطق الحياة والطبيعة يقول "أن إجماع الشعب ، وإن انحرفت بوصلته قليلا بعض الوقت ، إلا أنها لا يمكن أن تظل كذلك طوال الوقت" ، وهذا يشكل بحد ذاته ، ضمانة للمستقبل.
 
والمؤسف حقا أن "التنظير" للانقسام والدعوة لإدامته ، بات أمرا مألوفا في تصريحات المسؤولين وتحليلات الكتاب ، ولم تعد مسألة الوحدة من الثوابت والخطوط الحمراء ، الأمر الذي من شأنه رفع العبء عن المتسببين بالانقسام ، وتبديد زخم المحاولات المخلصة التي تبذلها أوساط فلسطينية وعربية من أجل إعادة اللحمة واستعادة الوحدة.
 
الانقسام حالة مأساوية خطرة يعيشها الشعب الفلسطيني بتفاصيلها المريرة يوميا ، لا تقلل من شأنها قراءات متطيرة هنا أو مستخفّة هناك ، وهو يوجب العمل ويستفز الطاقات من أجل تجسير الفجوات وإعادة اللحمة بين أبناء الشعب الواحد والقضية الواحدة.
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.