الانتماء.. الغائب الاكبر

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2010-05-26
1588
الانتماء.. الغائب الاكبر
بسام الياسين

وقف عبدالرزاق، الموظف البسيط، في الطابور الصباحي امام مخبز «اللقمة الحلال» بانتظار دوره للحصول على بعض الارغفة الساخنة قبل ذهابه للدوام. كان الطابور طويلاً ومتعرجاً والطقس حاراً وخانقاً. الوقت يمضي بطئياً، لا احد في الطابور يشاغله لاضاعة الوقت، فكر في تقديم عقارب ساعته، لكنها حيلة لن تنطلي على الزمن، امامه كانت تقف عجوز متصابية، تقوس ظهرها، وكلَّ بصرها، ترتدي بنطالاً رياضياً، وقميصا شفافاً يكشف عظامها اكثر ما يعلن عن مفاتنها، وتصبغ وجهها بمساحيق صارخة الالوان مثل مهرج سيرك شعبي، فيما يقف خلفه غلام بدين جدا كخنزير معلوف على مزبلة، ذا عجيزة مربربة، وشفاه مكتنزه، يرتدي بنطالا قصيرا، ويضع في اذنيه سماعة، امضى وقته يتلوى على انغام اغنية صاخبة كأنه امرأة حامل فاجأها المخاض.

  مر الوقت كالكابوس، وعند ماجاء دوره لاستلام «ربطة الخبز» احس بنقرات خفيفة على كتفه الايسر، التفت واذا به وجهاً لوجه مع صديقه ابو علي القادم من «العُمرة». عانقه وتمنى له عمرة خالصةً لوجه الله ليس فيها رياءُ او نفاق ثم همس في اذنه هل ذهبت لتغسل ذنوبكَ ام لغسيل فلوسك؟!. تضاحكا، وتواعدا على اللقاء بعد صلاة العشاء في بيت ابي علي لشرب عدة رشفات من ماء زمزم وتناول الرُطب.
 
في طريق عودته للبيت، شاهد عند المنعطف جمهرة من الناس، تتحلق حول جسد شاب مسجى على الارض، وقد تناثرت حوله الاوراق والكتب. استفسر عن الواقعة من البقال القريب من الحادث، فاخبره ان سيارة خاصة مسرعة يقودها مراهق طائش صدمت الشاب ولاذت بالفرار، متجاوزا الاشارات الضوئية الحمراء، ولولا عناية الله لحدثت كارثة في ساعة الذروة الصباحية واردف متألما: لا حول ولا قوة الا بالله ان هذا النوع من المراهقين يقتلون سأمهم بقتل الاخرين. احس عبدالرزاق بصداع خفيف في مؤخرة رأسه، وهو مؤشر ارتفاع الضغط عنده فاسرع مهرولاً للبيت، وابتلع حبة «مُدّر» ليخفف ضغط السوائل والبلاوي التي تجهد قلبه، وتستفز اعصابه.
 
فكر ان يعتذر عن الدوام لكنه عدل عن الامر، فالمعاملات متراكمة امامه، بعضها يحمل صفة الاستعجال، وبعضها الاخر تنتظر توقيع الوزير الذي سيغادر غدا في اجازة اوروبية تستغرق ثلاثة اسابيع. ارتدى ملابسه على عجل وخرج للشارع واشار على غير عادته الى سيارة «النقل المميز»، وامتطاها لاول مرة في حياته. وما ان وطأ عتبة الوزارة حتى احس بحركة غير عادية وقرأ في عيون الموظفين تساؤلات وحيرة، دخل مكتبه وعلى الفور فتح النوافذ لتهوية المكتب لاحساسه بانقباض نفسي، وضيق في التنفس. وقبل ان يجلس على كرسيه رن الهاتف. وما ان رفعه حتى سمع صوت زميله في المكتب المجاور ابو احمد وشهرته «رويترز» فبادره بالقول: اللهم اجعله خيرا، ما هي اخر المصائب واحدث الشائعات على شاشة وكالتكم العتيدة.
 
رد عليه ابو احمد بثقة وهدوء: تعرف يا عبدالرزاق ان «رويترز» اكتسبت شهرتها من مصداقيتها وسرعتها بالتقاط الاخبار وبثها، وسأخصك بخبر حصري لم تلتقطه اي وكالة عربية او اجنبية. ضحك عبدالرزاق رغم احساسه بوخزة مؤلمة عند ثديه الايسر وقال: «إلحقْ البوم بدلَكْ على الخرابْ» هاتِ ما عندك: فاجابه ابو احمد دون مقدمات «وزيرنا طار وما حدا سمى عليه». صعق عبدالرزاق من الخبر ورد على محدثه: كيف يكون ذلك والبارحة عقد معاليه مؤتمراً صحفياً رسم فيه الخطة السنوية للوزارة، وشاهدت بام عيني تذاكر سفره والحجوزات في فنادق العواصم التي سيزورها غداً، وقبل ان ينهي قائمة الدفوعات قال ابو احمد بصوت مدوٍ: «طز» اخترقت الكلمة اذن عبدالرزاق اليسرى من الهاتف، واليمنى عبر الجدار الفاصل بينهما من شدة الصوت.. البارحة تم استدعاؤه الى الرئاسة وطلبوا منه تقديم الاستقالة «بالمليح».
 
ازدادت دهشة عبدالرزاق وحيرته وسأل عن السبب وراء هذه المفاجأة. قهقه ابو احمد وقال بنبرة شامتة: شهادة معالية «طلعت» مزورة!! لم يستوعب عبدالرزاق الجملة الصادمة رغم وضوحها وطنينها في اذنه وسأل رويترز: كيف اكتشفوا ذلك بعد ربع قرن، فرد عليه بلهجة العارف: هاي بسيطة يا صديقي، اخونا رفع خشمه بعد الوزرنة، فاجرى سلسلة من التغييرات والتنقلات والتعديلات بدأها بتغيير اثاث مكتبه الوزاري، وانتقل الى سكن جديد، واستبدل سيارة الوزير السابق، واجرى تعديلات طفيفة على انفه المفلطح، وعملية شد لعدة مواقع حساسة من جسده.
 
 وقام بزراعة المناطق الجرداء من فروة رأسه، ولم يكتف بكل هذا بل انه يفكر بابعد من ذلك. وبصوت ساخط ممزوج بالاستهجان قال عبدالرزاق: وهل بقي ما يغيره غير ذلك فالفياجرا تباع على البسطات كالجرابات وَرَباطّات الاحذية.
 
انفجر «رويترز» ضاحكا حتى سالت دموعه. ارجوك .. ارجوك يا عبدالرزاق لا تشطح بخيالك المريض: ان معاليه مهذب كجنتلمان انجليزي، ما ان يرى امرأة جميلة حتى ينتصب امامها كالمسمار الفولاذي، ناهيك انه يملك فحولة ثور بلدي، ومواصفات بغل قبرصي لذلك فانه يعتزم تبديل ام العيال، خاصة بعد ان خلعت المسكينة اسنانها وبدا فمها مثل كهف اهل الكهف مساحة ونفق وادي الحدادة طولا.. فمنذ ان ادى اليمين الوزاري، وهو يجرح مشاعرها، ويردد امامها المقولة البشعة «سيدتي، كنت صالحة للموظف الذي كنته انا قبل ربع قرن، اما اليوم فلا تصلحين زوجة لمعالي الوزير..الذي هو أنا..» وفعلا خطب طالبة جامعية، ولجأت زوجته الى خيار شمشون «عليّ وعلى اعدائي» فابلغت هيئة مكافحة الفساد والتعليم العالي، وبدورها اتصلت الهيئة بالجامعة التي يحمل معاليه شهادتها وجاء الرد سريعا: ان المذكور مجهول لدينا كما ان معلوماتنا تؤكد انه لم يطأ حرم الجامعة.. في غضون ذلك رَنّ خلوي «ابو احمد رويترز» الخاص، فاعتذر من عبدالرزاق بانه مضطر لقطع الخط، ومغادرة الوزارة في اجازة اضطرارية قصيرة لمدة ساعتين لمتابعة خبر عاجل قبل ان يلشطه زميله المنافس ابو صالح C.N.N ويسجل سبقاً صحفيا عليه.
 
وقبل ان تنتهي الساعة رن هاتف عبدالرزاق فادرك باحساسه الفطري انه «رويترز» فاستبقه بالقول: ابو احمد لا اشك للحـظة ان فيك مَلَكةْ هدهد سيدنا سليمان في الكشف والاستكشاف فماذا عندك؟ فجاءه الرد سريعا: شكراً على الاطراء واما ما عندي ان الانتماء عندنا هو الغائب الاكبر ونتيجة هذا الغياب فقد تم ضبط رئيس بلدية بسرقة مياه من الخط العام فيما احيل رئيس بلدية اخر للقضاء جراء تحويله البلدية الى جمعية خيرية لاقاربه و تكية للنفايات البشرية من اصدقائه.
 
 
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

ابن القعدان28-05-2010

بس الوزير ما صار عليه اشي ! وين المكافحة؟ يعني شو ما بتساوي ما رح اصير اشي
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

ابو منصور28-05-2010

دنيا ..زحام..وفساد !

كلمة طابور تذكرني بما اصبح عندنا وعن طريق التقليد عادة اظنها غير حميدة لا لانتظام الدور بل لانتفاء الضرورة اليه في حالات كثيرة . صار الواحد منا ومن باب الخوف الكامن فينا والحرص الغير مبرر , اذا مر بطابور يقوم بمط رقبته استجلاءً لما يدور فيه دون ان تكون ل
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.