إلى حماس.. بعد «المحرقة» ، ما العمل؟

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2009-01-28
1487
إلى حماس.. بعد «المحرقة» ، ما العمل؟
عريب الرنتاوي

تذهب تقديرات كثير من الخبراء والمحللين الإسرائيليين والغربيين للقول بأن نتاج "الرصاص المصهور" جاء بعكس الأهداف التي صمم من أجلها ، فحماس لم تفقد سلطتها في غزة ، وشعب القطاع الجائع والمحاصر لم يثر على حماس أو في وجهها ، وصمود حماس في حرب الأسابيع الثلاثة ، أكسبها تعاطفا وتأييدا في طول العالمين العربي والإسلامي وعرضهما ، فضلا بالطبع عن حالة العطف والتأييد في رام الله والضفة ، مقابل الضعف الذي منيت به السلطة وانتهت إليه.

 
قبل الرصاص المصهور ، كان العالم مستمسكا بشروط "الرباعية الدولية" الثلاثة المعروفة للتعامل مع حماس ، اليوم هناك محاولات "تفلت" واضحة وحثيثة ، من هذه الشروط.. فإسرائيل قلقة جدا من "النوايا" الفرنسية للهبوط بسقف هذه الشروط والخروج على قيودها ، وفي دمشق أكد الرئيس السوري بشار الأسد أن بلاده تحتضن حوارات سرية أوروبية- حمساوية ، وهو ما أكده رئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل ، وحملت عليه صحف تل أبيب العبرية بالأمس حذرت منه ومن عواقبه.
 
قبل الرصاص المصهور ، كان العرب يتعاملون مع السلطة (وليس المنظمة) كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني ، وكان ينظر للقطاع كإقليم متمرد وفقا للتعبير "المضحك المخجل" للسلطة ، اليوم تكاد غزة تختصر فلسطين برمتها ، فيما العرب (حتى المعتدلون منهم) يتجهون للتعامل المباشر مع الفلسطينيين في غزة ، من دون حماس ولا فتح ، وبمعزل عن حكومة تصريف الأعمال أو الحكومة المقالة ، وثمة نية لدى أطراف عربية ودولية متزايدة ، لإتمام ملف إعادة الإعمار بعيدا عن الفريقين المنقسمين ، علما بأن السلطة وبعض العرب وإسرائيل وبعض الدوائر الغربية ، تريد لإعادة الإعمار أن يمر بقناة السلطة ، وتسعى في تسييسه ، فتعود السلطة إلى غزة على ظهر جرافة بعد أن تعذرت عودتها (أو هي امتنعنت عن العودة) على ظهر دبابة.
 
خلاصة القول ، أن حماس التي أريد لها أن تدفن في الرصاص المصهور ، خرجت من الحرب أكثر قوة وحضورا على المستوى السياسي ، وثمة في كثير من الأوساط الغربية من يقول أن الوضع بعد غزة لا يجب أن يعود كما كان قبلها ، في إشارة إلى ضرورة أعادة التفكير في التعامل مع السلطة وحماس والمنظمة ، ومن مختلف الزوايا السياسية والإنمائية والإعمارية وغيرها.
 
مثل هذا الأمر ، يملي على حماس أن تسارع فورا ومن دون إبطاء ، إلى إجراء مراجعة شاملة لمقارباتها وأولوياتها ، من أجل توظيف نتائج صمودها وثبات شعبها سياسيا ، وتحويلها إلى مكاسب للشعب والقضية ولحماس أيضا ، وهذا يتطلب إبداء مزيد من المرونة في اللغة والخطاب والتحالفات ، هذا يتطلب انفتاحا أوسع وأكبر على ما هو وطني وإنساني في خطابها لتقوى على مخاطبة حركة التضامن الدولية وإدامتها وتطويرها والبناء عليها ، عليها أن تتصرف كقيادة للشعب (لا لفصيل) ، وأن تنفتح على مختلف مكوناته وأن تبحث في صياغة الأطر والتحالفات اللازمة لذلك.
 
ما لم تقدم حماس على خطوات جدية ملموسة على هذا الطريق ، فإن حكاية "أن الحركة هي القوة الرئيسة على الأرض في غزة" لن تنفع حماس طويلا ، فلا يكفي أن تكون "المنتصر عسكريا" ، عليك أيضا أن تكون "المنتصر سياسيا" ، ولا يجوز أن تهبط ثمار التضحية والشهادة والصمود والبطولة في غزة ، في أفواه أوساط وقوى تآكلت واستهلكت في دوامة الخيارات المأزومة ، والأداء المثير للريبة والفساد الذي يزكم الأنوف.
 
على حماس أن تتصرف بعد غزة ، على أنها "أم الولد" ، فتعمل بكل ما بوسعها لمنع تكريس انشطار الوطن إلى قسمين متباعدين ، عليها أن تسعى في سحب البساط من تحت أقدام بعض القوى الانتهازية والمفلسة ، عليها أن تعمل على استعادة الجسم الأكبر من فتح وعدد من الفصائل الفلسطينية من تحت عباءة "التيار الأمريكي - الإسرائيلي" الذي اختطف المنظمة وعطّل إصلاحها وإعادة بنائها ، وحوّل السلطة إلى امتداد لجهاز الاحتلال وأذرعته الأمنية.
 
مثل هذا التصرف يحتاج إلى مزيد من المرونة في السياسة واللغة والخطاب والتحالفات ، يستوجب إتقان فنون التفاوض والمقاومة على حد سواء ، ويتطلب إتقان أدوات الصراع وفنونه في الحقل السياسي ، من دون تفريط أو إفراط ، أو الركون إلى "نشوة اللحظة" السياسية ومظاهرها الانتصارية ، فالمعركة ما زالت في بدايتها ، ومن الظلم أن ينتهي زلزال غزة بالعودة إلى ما كنا عليه قبل السابع والعشرين من كانون الأول الماضي ، من العبث أن لا ينتهي هذا الزلزال إلى إعادة صياغة النظام الفلسطيني ككل وتطهيره من الاختراقات والجيوب والطفيليات العالقة به ، من العبث أن يقطف الشتّامون والشامتون ، الردّاحون على فضائيات النفط والاعتدال ، ثمار نصر غزة وتضيحات شعبها وصموده.
 
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

ابو منصور29-01-2009

هذا كلام موزون موزون ولا يحتاج الى من يزيد او يوضح اكثر وعليه فان الكاتب السيد عريب يستحق كل التقدير والاكبار....وقبلة على الجبين . 30/1/2009 ابو منصور
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.