قصاصة ورق!!

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2010-07-14
1795
قصاصة ورق!!
بسام الياسين

استدار سامر وراءه بعد ان سمع وقع اقدامٍ ذات ايقاع نسائي تقترب منه، اهتزت الارض تحت قدميه، سعاد زميلته ايام الدراسة الجامعية، تلك المعتقة في جرار ذاكرته، المنقوعة في خوابي نبيذ ايامه، المهرة البرية الجامحة التي اججت لهيب مشاعره، واصطلى بنيرانها على مدى سنوات دراسته الجامعية، هي الان على مسافة امتار قليلة منه. توقف حتى وصلت اليه.

 مد اليها يداً مرتعشة نافرة عروقها. ضغط على يدها محاولا جهده تفريغ شحناته العاطفية المكبوتة من عشق قديم، كصاعقة مجنونة تنفجر دون مقدمات، فتضيء الارض في ثوان معدودة ثم تشعل الحرائق. استهجن انفلاته من عقاله، وهو الذي كان يظن كل الظن ان مخزون الصبر عنده لا ينفذ مثل جمل صحراوي، يلتذذ بلعبة الاناة والانتظار..
 
وها هي الان يسوقها القدر امامه وتسعى اليه على قدميها، فيما غلالة من حزن هادئ تجلل تقاطيع وجهها الناعم. هي، هي سعاد لم تزل رغم مرور ثلاث سنوات على اخر لقاء بينهما، الطالبة الجامعية، المفعمة بالحيوية، البارعة الجمال، التي تشد الانظار، وتدير الرؤوس، وتلوي الاعناق. انقطعت اخبارها منذ يوم التخرج. 
 
وهو في حيرة من امره، فيما الاسئلة الشائكة تطن في اذنيه، وتعمل في اعماقه كسكاكين تمزق احشاءه. هل تزوجت مغترب يقيم وراء البحار، وغادرت البلاد ام توظفت، واقامت في منطقة نائية؟ لا يدري، لكن الارجح انها ربة بيت نموذجية، وام لاطفال لا تغادر منزلها الا لماما، لانها تقضي معظم اوقاتها في المطبخ لارضاء رغبات زوجها النهم «البيتوتي» المعروف في علم الاجتماع بالزوج الفندقي - حمار الطاحونة - الذي لا يعرف سوى مكتبه وبيته وسرير نومه، ويمكن اعتبار كل ما سبق من تحليلات مجرد فرضيات تحتمل النفي مع انها احتمالات تحتمل الصحة ايضاً.
 
نقطة ضعفه انه لم يستطع اخفاء انفعالاته التي فضحت مكنونات   قلبه، حين التقاها صدفة، ولم يكن بمقدوره ستر ملامح وجهه الناطقة بالالوان كلوحة تعبيرية رسم العشق واوجاعه خطوطها. سعاد هي الاخرى ابتهجت لهذا الاستقبال الحار حيث كانت   سعادتها لا توصف وهي تقرأ لغة جسده، وكل نأمة من حركاته. سعادتها الغامرة برعشته العفوية، تعلثم كلماته، اضطرابه، حبات العرق الخجولة المتلالئة على جبينه ولكنهما كانا سعيدين -الواحد بالاخر - لان كلاً منهما وجد ضالته.. نصفه الضائع.
 
وما ان بدأت موجة اللقاء العنيفة تهبط رويدا رويدا احسا انها هبطت على قلبيهما بردا وسلاما.. في هذه الاثناء استرق نظرة الى اصابعها العاجية فأطمئن لعدم وجود محبس يحبسها عنه، فتشجع وقال متأتئا: ان كنت لا تمانعين، هناك على رأس الشارع كفتيريا هادئة، ارجو ان تقبلي دعوتي لاحتساء القهوة على شرفك، فشمس هذا النهار تشوي الابدان.. هزت رأسها موافقة وسارا باتجاه كفتيريا «ركن العشاق» وما ان ولجا المدخل حتى استقبلتهما ام كلثوم برائعتها «بعيد عنك حياتي عذاب».
 
احست سعاد باضطراب لدخولها كفتيريا عامة لانها التجربة الاولى في حياتها ارتياد مثل هذه الاماكن، انتابها خفر انثوي، اغلقت عينيها   خجلا، فاختل توازنها وهي تهبط درجات الكفتيريا، وكادت ان تسقط ارضا لولا ان سامر التقط ذراعها بسرعة نمر   يقظ وقع على صيد ثمين، فعادت الى توازنها، لكنها فقدت توازنها الداخلي لما ولدّت قبضة يده من رعشة، هزت جسدها البكر، وفجرت ينابيع انوثتها خاصة انها كانت ترتدي فستانا دون اكمام، واوشكت ان تصرخ مازحة «اعطني حريتي اطلق يدايا» الا ان حياءها منعها.
 
جلسا في زاوية نائية مثل «عصافير الحب» داخل قفص جميل، فاحست بغريزة الانثى انها سجينة رجولته، وثمة صوت في داخلها يكاد ان يكسر قشرة الصمت صارخا: هذا الرجل احبه، بينما سامر يتأمل وجهها الملائكي، وصوتها الشاعري ويسترجع ايام الجامعة، ويستذكر كيف كان يدس في يدها بين الفينة والاخرى قصاصة من ورق، عليها بضعة ابيات من الشعر يصف فيها تقاطيعها الاخاذة، ويشكو لواعج قلبه، بكلمات حفرت احلى النقوش في روحها الشفافة ثم اخذ يتساءل اين اختفت كل هذه السنوات؟ وكيف استطاعت لجم عواطفها حيث لم ترشح منها كلمة تُطيّب خاطره، او تَبل ريقه، فيما هي الاخرى تتساءل لِمَ لم يبحث عنها خلال هذه السنوات اذا كان يحبها حقا؟ ولماذا غاب عن حفل التخرج؟!
 
افاق الاثنان من لعبة دحرجة الذاكرة على صوت النادل وهو يسأل بتهذيب شديد سيدي: ماذا تريد ان تشرب؟ فاجاب سامر: «قهوة زي العسل» وخطيبتك «كمان سكر زيادة» ازدادت سعاد خجلا من تلميح النادل، فتعرق جسدها الغض، الا انها بررت انفعالها: بان الحب ضرورة انسانية ملحة لبقاء الانسان واستمراره، تماما مثل ضرورة التنفس لكل كائن حي. 
 
فالانسان ليس حيوانا ناطقا كالببغاوات كما يدعون بل هو مخلوق عاشق كما تحس وتشعر. بعد قليل حضر النادل، وقام بتوزيع القهوة ثم ادار ظهره مبتعدا. فقال سامر على الفور بصوت ضعيف: انني اعاني من وحدة خانقة يا سعاد، رغم زحمة المدينة، وصخب مباريات المونديال، ودوي الانفجارات هنا وهناك.. ولا اجد حرجا ان اعترف لك ان ما كان يخفف وحدتي واحزاني احساسي القوي ان التقيك ذات يوم. وقد تحققت نبوءتي، فانت وحدك نافذتي على العالم، وكتابي الاجمل الذي اطمح في قراءته من الغلاف الى الغلاف حرفا حرفا..
 
وكان مجرد استحضار صورتك يمنحني القوة، ويمدني بالطاقة، وازداد تعلقي بطيفك الجميل بعد ان خطف الموت والدي على حين غره، وانا في ذروة   فرحي بالتخرج، وهذا ما حال بيني وبين حضور حفل التخرج لاستلام شهادتي، مع التسليم المطلق بمشيئة الله، وترتيبات القدر العجيبة. ان رحيل والدي المفاجئ كسر ظهري، ولا اكتم سرا ان صارحتك بان طعم الحزن سيبقى عالقا تحت لساني طالما ظللت بعيدة عني، وسأظل اشعر بغربة حتى لو ظل العالم يرقص حولي.. اني احبك، وقبل ان يكمل جملته ويواصل حديثه فرت دمعة عزيزة من عينه، فرفع رأسه في مواجهتها لالتقاط منديل ورقي من امامها مباشرة، فوجدها غارقة بدموعها، وبحركة لا شعورية كالتي كان يفعلها ايام الجامعة، تناول من جيبه قصاصة ورق صغيرة كتب عليها: هل تقبلين بي خطيباً يا سعاد؟ ودفع اليها القصاصة والقلم، فكتبت على ظهرها.. سامر انك تستفزني... هل تريد جوابا ابلغ من دموعي؟.

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

جميل البرماوي16-07-2010

مقال رائع يا استاذ بسام كباقي مقالاتك السابقة
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

علي كريم15-07-2010

الحب عاطفة نبيلة ترقى بالنفس غلى ارقى المراتب الانسانية ... فقد كانت المحبوبة مصدر الهام الشعراء و الرسامين و الفنانين ... لا يمكن ان اقول اكثر ما قال كامل الشناوي " الحب جحيم يُطاق . . والحياة بدون حب نعيم لا يطُاق "
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

خليل يعقوب15-07-2010

إن المشاعر التي تغمر الانسان هي التي تجعله يتصرف بطرق عدة في مواقف حياته و لذلك لا بد منه أن يحافظ على هذه المشاعر ضمن بيئة مليئة بالحب والحنان وهذا هو طريقه نحو الابداع ,

الشكر والتقدير للكاتب بسام الياسين على هذا المقال ونريد منه المزيد وكذلك كل الشكر والاحترام لموقع ال
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

مصطفى سالم15-07-2010

بصراحة نحن في أمس الحاجة لمثل هذه المقالات التي تريح النفس وتنأى بها عن الوضع السياسي الحالي الذي يكاد الرأس ينفجر من شدة حدته ولو كنت في هذا المقام متمنيا لتمنيت أن أقرأ المزيد من العراب في كل صباح مع فنجان القهوة على شرفتي المطلة لأزيد من سعادة حياتي
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

ابو منصور14-07-2010

جميل ان تكون الكتابة - لكاتب ما - منوعة , دون ان يفقد ايُّ نوع منها شيئا من وزنه وصحته , وهذا دليل على قدرة

الكاتب على الامساك بنفس مكيال الجودة للكتابة بمختلف مناحي الحياة : السياسية /الاقتصادية / القصة والشعر...الخ.

لقد شعرت وانا اقرأ القصة اعلاه , وكأني اشاهد فيلما روم
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.