المملكة ليست اقطاعية لاهل الحظوة

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2010-07-21
1988
المملكة ليست اقطاعية لاهل الحظوة
بسام الياسين

ما من كذبة في الدنيا تنجو من فضيحة الافتضاح، وقباحة العري، ووقاحة التعري، وبشاعة الانكشاف. الكذبة هي كوميديا الموقف ومفارقاته، انتجت سياسات خرقاء، وخطط مرتجلة، جرفتنا الى حافة الانهيار جراء لعبة الاختبار على المواطن كأنه جرذ في معمل تجريبي، النتيجة المفزعة للسياسات الاقتصادية جعلت منا سادة يتربعون على الذرى، وعبيداً في الحضيض، نبلاء لهم كل شيء، ورقيقا يفتقرون الى كل شيء، نخبة مترفة، واقنانا معدمة، ارستقراطية معطرة، وشرائح عمالية مطحونة، شلة منتقاة على «الفرازة» واغلبية متساقطة كالنشارة، قصورا فارهة، وعشوائيات متهالكة، اموالا مودعة في البنوك الاجنبية لاهل الحظوة ازيد من عشرة مليارات دولار، و ١ ٪ من سكان المملكة يعيشون على دينار واحد، بينما ١ ٪ فقط يعيشون بالنعيم و ٩ ٪ مقيمون بالجحيم، قلة قليلة مشغولة في تخفيف اوزانها وحرق دهونها الثلاثية واذابة شحوم كروشها، واخرون ينقبون في الحاويات ليلتقطوا رزقهم ويمدوا اجسادهم الناحلة بسعرات قليلة بما تيسر من القمامة.

 خلال عشرين عاما، او اقل قليلا، نبتت طبقة من كبار الموظفين كالفطر على سطوح المناصب الرفيعة، واستغلت فهلوياتها في استغلال حقول القطاع العام، واستأثرت بالملايين. موظف صغير تدرج في غفلة من الزمن، فاصبح يملك قصرا تحفة هندسية، ومجموعة من السيارات   الفارهة وسيولة لا يعلمها الا الواحد الاحد هذا الموظف ليس واحدا بل احاد كثيرة، تراه يبدل موديل سيارته كما يبدل حذاءه، والمدام - حفظها الله - لا تجد وسيلة لتبديد مللها الا بالتسوق المفرط.. ولا يعجبها انفها - خلقة الله - فتعمل على تجميله بالاف الدنانير.. هذه ليست واحدة.. انهن واحدات المجتمع الارستقراطي.
 
سبعة عشر الف بركة ماء عذبة للسباحة في عمان وحدها على ذمة الحكومة، مع ان ذمم الحكومات مطاطية واسعة، وبحسبة بسيطة فان حجم بركة صغيرة ٣ * ٣ * ٣ = ٢٧م٣ ماء للبركة الواحدة واذا ضربنا هذا الرقم ٢٧ * ر١٧ = ٤٥٩  متر مكعب فقط لتغذية برك المتنعمين وبالعربي الفصيح انهم بحاجة الى حوالي نصف مليار لتر ماء فيما المدن والارياف والقرى تعاني من شح في المياه ثم يطلع علينا «معالي» وزير المياه ليعلن حرج الوضع المائي ونضوب بعض الابار فيما كان فريق عمان الغربية يلعب كرة داخل الاحواض المائية وبعضهم يحمصون جلودهم الناصعة البياض طلبا للون البرونزي.
 
هذا يقودنا الى قراءة ظاهرة الفقر الصادرة عن دائرة الاحصاءات العامة مع انها غير امينة ومبتورة حيث انها لم تكشف لنا الفقراء الحقيقيين كافة من موظفين ومعلمين ومتقاعدين وعمال وصغار الكسبة المصابين بفقر الدم وهشاشة العظام لان رواتبهم لا تغطي احتياجاتهم الغذائية المطلوبة لهم ولعائلاتهم، لذلك لجأت الحكومة الحنونة الى خلط الفيتامينات بالطحين على مراحل فابتدأت بالحديد ثم فيتامين ب ١٢ ، المجموعة البائية، المغنيسيوم، فيتامين د، ولم يبق عليها الا تقديم رغيف كامل من الفيتامينات مدعوم بالمنشطات للمواطن المهدود «حيله»، المنحني لعله ينتصب قليلاً ويصلولب كالحديد ممتلئا فحولة لممارسة واجباته الليلية كما كان قبل الازمة.
 
هؤلاء الذين يعيشون على الكفاف لم تدرجهم الدراسة في ارقامها مع ان رب العباد قال فيهم «يحسبهم الجاهل اغنياء من التعفف» لانهم يعضون على جوعهم باسنانهم،   ويحافظون على صيانة وجوههم من ذل السؤال ولو ماتوا جوعا. ومع ايماننا المطلق بعدم صدقية الارقام الحكومية وكل ما يرشح منها او عنها وان الاعيبها باتت مكشوفة ومعروفة للجميع فان الشعب الاردني باستثناء الفئة المنعمة يعيش تحت خط الفقر المطلق، فمعدل الرواتب ٣ -٤ دينار لا يغطي المتطلبات الضرورية لعائلة من خمسة افراد، فكيف الحال اذا كان طالب جامعي بين افرادها، كما ان التقرير اغفل الاف السجناء من المحكومين وذوي الاسبقيات واولاد الشوارع الذين لا يتقنون حرفة وهم بالتالي عالة على المجتمع وذويهم.
 
دائرة الاحصاءات التي تكتمت قبل سنوات عن الاعلان الصريح عن اعداد الفلسطينيين واللاجئين والمهجرين والنازحين في الاردن اتحفتنا اليوم عن ارقام الفقر والفقراء، لكنها لم تتفضل علينا بالافصاح عن الاسباب الحقيقية التي جرجرتنا الى الفقر، وذيوله من تفكك اجتماعي وانحراف اخلاقي، وانحلال اسري وعنف مجتمعي، وادمان على الكحول والمخدرات وتسرب من المدارس، وتسريبات فتيات «للارصفة». وغيرها من الموبقات غير القابلة للاحصاء.
 
وبصفتنا جهة رقابية اليس من حق الصحافة ان تسأل دائرة الاحصاءات النشيطة عن الارقام الفلكية لاصحاب الملايين واولئك الذين دخلوا دائرة المليارات واصحاب العقارات والشركات، وكيف اثروا في طرفة عين وجلهم من المسؤولين الذين لا يحفظ احدهم جدول الضرب، ولم يرث عن ابيه سوى الفاقة والحرمان حتى ليقال ان كفن والد احدهم كان صدقة من مُحسن لشدة فقره.. وتكتمل الحقيقة، وتتجلى اكثر اذا استحضرنا المقولة الذهبية «ما جاع فقير الا بغنى غني» فالفقر المدقع لا يولد الا من رحم الغني الفاحش.
 
اذاً، السياسات الاقتصادية، وبرامج الاصلاح المرتجلة، وارتجال التخطيط، والفساد، وضعف الانتماء، «وقلة الدين» وفقر الاخلاق ادت الى زيادة فقر الفقراء، وانكماش الطبقة الوسطى، وفي ذات السياق يؤكد د. حموري استاذ الاقتصاد في جامعة اليرموك: ان الاموال المخصصة للاصلاح الاقتصادي، ومحاربة الفقر ذهبت الى «اشخاص ومسؤولين». فيما يقول الدكتور بسام العموش: ان مكافحة الفساد لم تأت أُكلها والاموال المسروقة لم تزل مجهولة. المشاريع الحكومية بدلا من ان تنهض بالاقتصاد، وتدفع عجلة النمو، تحولت الى عبء كبير على الوطن والمواطن، وجاءت بنتائج عكسية فارتفع الفقر المطلق والمدقع، وتضاعفت جيوبه، وتزايدت المديونية مما دفع وزير المالية د. محمد حمور للاعلان مؤخرا عن نية الحكومة للاقتراض الخارجي بمبلغ «٥ » مليون دينار اي بالمشرمحي «نصف مليار». وهذا ما دفع الحكومة/الحكومات للتفنن في ابتداع الرسوم والضرائب، وابتكار الحيل الجديدة لسحب دم المواطن بعد ان «جف ضرعه» وهزل جسده.
 
ورغم كل هذه الدروس، وفقدان المواطن «الامن المعيشي» لم تتعلم الحكومات من اخطائها حين باعت ما فوقها وما تحتها، وجلست على الحديدة واجلست الشعب على الخازوق، فبدلا من البحث عن بدائل ايجابية للاقتصاد الوطني، ها هي اليوم تفكر في بيع الاراضي الاميرية والغابات والحدائق العامة. نقول بملء الفم اذا لم تكن هناك مبادرات شجاعة، وبرنامج تصحيحي لترميم «البرامج التصحيحية» السابقة، وتلافي الاخطاء الماضية، وعدم السكوت عن السلبيات وعلى رأسها اتخاذ خطوات سريعة وشاملة لمحاربة الفساد المستشري في كل مكان، ومعالجة وضع الهيئات المستقلة، والاستغناء عن الوزارات الفائضة عن الحاجة، ومعالجة نهب البلديات، وتحصيل ديون الدولة على الافراد والشركات التي تتجاوز المليار دينار واستغلال الموارد الطبيعية من يورانيوم وصخر زيتي ونحاس، واستخدام الطاقة الشمسية وطاقة الرياح المتاحة عندنا بكلفة زهيدة وعلى مدار العام وتكسير قرون عمالقة الفساد، وحلفاء الليل والظلام، والعودة للالتحام بالبعد القومي العربي، ودول الجوار الاسلامية، وتحطيم بوصلتنا القديمة التي لم تعد تعرف وتتعرف الا اتجاه واحد هو واشنطن المار بتل ابيب، والقضاء نهائيا على سياسة التسعين بالمائة من الشعب المغموسة ايديهم بالملح على خدمة العشرة بالمائة من الطغمة المترفة الباغية على حقوق الوطن والمواطن، ما دون ذلك هو غناء في طاحونة هرمة وسقاية زرع بمياه مالحة. ومن اجل تحقيق الشعارات المرفوعة الاردن اولا، وكلنا الاردن يجب ان يكون المواطن شريكا في الادارة والمراقبة والمحاسبة، وتحقيق العدالة، وتوزيع الثروة وتفجير الطاقات الشبابية الكامنة لدى الشباب. ليشعر كل واحد منهم انه شريك في التنمية، وله حصة من النماء حتى يترسخ عنده الانتماء.
 
فالاردن العظيم خزان هائل من الموارد الطبيعية والبشرية وليعلم اهل العقد والحل اننا لن نساوم على هذا الوطن الجميل، ولن نرضى عنه بديلا، وان رقابنا عصية على الكسر، وستخذل سيوف الطغمة الباغية التي عاثت في البلاد جوراً وظلماً وسلباً، واننا نعيش في قلعة مزنرة بالرجولة والرجال ولسنا في اقطاعية مُطّوبة باسم «اهل الحظوة» يديرونها بذهنية الاقطاعيين، يستعبدون ناسها، ويحرثون على ظهورهم كـ «عبيد السُخرة».
 
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

يوسف الطورة25-07-2010

ثمة مقولة كنت ارددها ولا زلت " لا غرابة ولا عجب في بلاد العجائب " ونحن والحمد لله والذي لا يحمد على مكروه سواه احد بلاد العجب والعجائب ففي بلادنا يا صديقي كل شيْ ممكن فكررامة المواطن مستباحة جهارا نهارا ...!!! لكن لمن توحه التساؤل حينما تغتال الاحابة على الشفاه وبقصد يظنون باننا
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

ابو منصور23-07-2010


ابو محمد تحية خالية من الشحوم والكلستيرول وبعد . اولا: بفضل الزيادة المتسارعة بأعداد المنتسبين لنادي الفقر الوطني فقد اصبحت حاويات القمامة اخف وزناً واكثر نظافة فطوبى للاعضاء من ذوي البطون الخاوية ! ثانيا: سيدات المجتمع الارستقراطي صرن يتبارين بدرجة الاسراف والبذخ فبشرى ل
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

ابو23-07-2010

شكرا
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

ابو23-07-2010

بسم الله الرحيم. تحية وشكرا للعراب على ما تضعه على هذا الموقع....
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

ابو23-07-2010

لاصحاب المولات
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

قارئ23-07-2010

شكرا سيد بسام
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

محمد مصطفى العتوم23-07-2010

شكرا للموقع و للكاتب و المزيد من الطروحات المحلية التي تناقش قضايا المواطن الغلبان و لقمة عيشه
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

محمدناجي السروجي الزرقاء الجبل الابيض23-07-2010

اولا تحيتي الكبيرة الى موقع العراب صاحب المصداقية والخط الوطني النظيف ثانيا كل الاحترام للكاتب الياسين الذي يشفي الغليل والذي يضع النقاط على الحروف وان كنت اتفق معه في كل ما طرح الا انني اختلف معه ان هناك اسبابا خارجية ايضا للانيهار الاقتصادي كما ان هناك الكثير من الشرفاء م
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.