العدالة الدولية ... المحتجبة

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2010-07-24
1290
العدالة الدولية ... المحتجبة
عريب الرنتاوي

محكمتان دوليتان تعملان على قدم وساق ، وعلى خطين متوازيين ، الأولى ، ومهمتها البحث عن "الحقيقة" و"العدالة" من أجل لبنان ، هكذا يقال حرفياً...والثانية لملاحقة مجرمي الحرب والتطهير العرقي في دارفور....نجما المحكمتين هما المدعيان العامان ، بيلمار وأوكامبو ، وليس رئيسيهما.

 في لبنان ، لم تبق صحيفة دولية محترمة أو شخصية لبنانية أو سفير دولة عظمى في بيروت ، لا يعرف مضامين لائحة الاتهام الظني التي ستصدر عن المحكمة في الخريف المقبل (يقال في أيلول ـ سبتمبر القادم) ، ولقد نشرت "دير شبيغل" الألمانية ، وقبلها تنبأ تقرير لموقع "الحقيقة" السوري المعارض ، التفاصيل الكاملة للائحة الاتهام ، بل أن موقع الحقيقة سبق وأن تنبأ بالافراج عن الضباط الأربعة وانهيار شبكات التجسس الإسرائيلية في لبنان ، في سياق المحكمة وبغرض منحها ومعها جهاز الأمن والمعلومات (المقرب من 14 آذار) والذي زوّد المحكمة بتفاصيل الشبكات والخلايا والاتصالات التي بني عليها القرار الظني ، قدر من الصدقية والموثوقية.
 
وفي السودان ، لا يبدو أن السيد أوكامبو الذي طالما تهرب من أسئلة تتعلق بإحجامه عن التحقيق في مزاعم عن جرائم حرب اقترفتها إسرائيل في غزة والولايات المتحدة في العراق ، منشغلا بقضية أخرى غير ملاحقة الرئيس السوداني عمر حسن البشير ، والمسألة على ما يظهر من تصريحاته وإيماءاته قد أصبحت "شخصية" إلى حد كبير ، والمدعي العام في محكمة الجنايات الدولية ، يتصرف بطريقة تجعل منه "صائد جوائز" أكثر من كونه "رجل قانون".
 
في لبنان ، ثمة من الأمثلة المستمدة من سلوك المحكمة ما يدفع على الشك بصدقيتها ونزاهتها وحياديتها و"سرية التحقيقات التي تجريها" ، فأية محكمة هذه ، التي تنشر الصحف ويسرب المسؤولون المعلومات عنها ، وبقدر عالْ من الدقة والتفصيل ، وأية محكمة تلك التي لا تقيم وزنا لفحص أقوال شهود الزور وملاحقتهم لمعرفة ماهية دوافعهم وهوية الجهات التي وقفت وراءهم وحركتهم ، والهدف من وراء جهود حرف التحقيق وتضليل العدالة ، وأية محكمة تلك التي تطلق سراح أربعة ضباط اعتقلوا لأربع سنوات من دون أن يقول لهم أحد لماذا اعتقلوا وكيف أفرج عنهم ، أو حتى من دون أن يقول لهم أحد "نحن آسفون" لما حدث.
 
أما في السودان ، فكيف لنا أن نثق بمحكمة تضبط خطواتها على إيقاع الأجندة السياسية السودانية ، كل خطوة أقدم عليها أوكامبو ومحكمته ، سبقت أو مهدت لتطور سوداني نوعي خطير ، آخر قرار حول توسيع لائحة الاتهامات الموجهة للبشير ، يرتبط أشد الارتباط بمناقشات الدوحة ونتائج الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأخيرة والتحضيرات للاستفتاء الأخطر في جنوب السودان....كيف لنا أن نثق بمحكمة تتعامل مع عصابات المتمردين وميليشات القتل العشوائي الانفصالية في دارفور كما لو كانت "أحزاب ومؤسسات مجتمع مدني أنجلو ساكسونية" ، فيما الغضب ، جم الغضب ، لا يصب إلا على الحكومة وميليشيات الجنجويد ، لكأننا أمام أمتين وحضارتين وثقافتين مصطرعتين في السودان ، واحدة إنسانية متطورة ، والأخرى بربرية متوحشة ، ولسنا أمام شعب واحد من طينة واحدة.
 
في لبنان ، تصبح المحكمة الدولية الخاصة عبئا على أمن البلاد والعباد ، عبئا على مستقبل الاستقرار والسلم الأهلي ، خصوصا بعد أن حوّلت اتجاه تحقيقاتها واتهامتها ، من السعي لإدانة سوريا و"النظام الأمني السوري اللبناني المشترك" إلى اتهام حزب الله ، وفي السودان تتحول المحكمة إلى عبء على المصالحة والاستقرار ووحدة البلاد ، تصبح معول هدم إضافية لوحدة البلاد الهشة أصلا.
 
في لبنان ، لا تأتي المحكمة على ذكر إسرائيل ولو من باب "شمول فرضيات الاتهام" في جريمة اغتيال الحريري ، فالأنظار تتوجه فقط إلى سوريا والإرهاب الإسلامي وحزب الله ، أما كل هذه المعلومات التي تكشّفت عن انهيار شبكات التجسس (أكثر من دزينتين حتى الآن) ، بعضها متورط في تنفيذ تفجيرات واغتيالات ، وليس بجمع معلومات فحسب ، فلا قيمة له من زاوية نظر التحقيق الدولي ، لكأن إسرائيل ، صاحبة السجل الأكبر في الاغتيالات والتصفيات في المنطقة ، بريئة براءة الذئب من دم ابن يعقوب ، ولا يمكن أن تطالها سهام الاتهام والظن.
 
وفي السودان ، ثمة عشرات المنظمات والأجهزة الاستخبارية والمليشاوية والكنسية المتطرفة والأصولية المسيحانية ، والإسرائيلية من قبل ومن بعد ، لا أحد أبداً يأتي على ذكر دورها في تأجيج الصراع وتهريب السلاح وإشعال حرائق الفتنة والتعصب والاقتتال وجرائم الحرب.
 
لسنا ندافع عن أن طرف ، لبنان أو سوداني ، يمكن أن متورطاً أو من غير متورط ، بيد أننا في الحقيقة بتنا أشد قناعة بأن "العدالة الدولية" تتحول إلى ذراع سياسي لمراكز القوى الدولية ، تحركها في الاتجاه الذي تريد وفي الوقت الذي تريد ، ولعل المفارقة المخجلة على هذا الصعيد ، أن الولايات المتحدة غير الموقعة على "نظام روما" والجنايات الدولية ، لا تجد غضاضة في "تذكّير" حكومة الخرطوم بالواجبات التي ترتبها عليها قوانين المحكمة ومواثيقها ، فهل ثمة نفاق أكثر من هذا؟،.
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.