هل تعقد عمان وواشنطن اتفاق تعاون نوويا سلميا طال انتظا

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2010-07-25
1602
هل تعقد عمان وواشنطن اتفاق تعاون نوويا سلميا طال انتظا
رنا الصباغ

لفك الاستعصاء التفاوضي مع واشنطن, ينتظر الاردن بفارغ الصبر رد الادارة الامريكية على "رسالة ضمانات" تحافظ على حقه في تخصيب اليورانيوم محليا وتوطين هذه التكنولوجيا في المنطقة بعد انقضاء فترة زمنية محددة على بدء مشروع التحول صوب طاقة نووية سلمية لتوليد الكهرباء وتحلية المياه, بحسب دبلوماسيين ومسؤولين هنا.

 الرسالة قيد البحث يفترض أن توّفر "صيغة خلاقة" لكسر الجمود على مسار محادثات البلدين حيال انجاز اتفاقية تعاون نووي مدني بات تعطيلها يهدد بتوتير أسس تحالف الاردن الاستراتيجي مع الولايات المتحدة, التي تقدم له منحا اقتصادية ودعما سياسيا وعسكريا ثابتا منذ أبرم معاهدة سلام مع إسرائيل عام .1994 كذلك تضمن العروة الوثقى مع واشنطن كف شر إسرائيل عن الاردن.
 
تطلب عمان أن تتضمن الرسالة المرفقة مع الاتفاقية التي ستوقع خلال ثلاثة أشهر, الابقاء على خيار تخصيب اليورانيوم محليا بعد مرور 15 عاما على توقيع الاتفاقية, إضافة إلى إعادة تشغيل أو تبديل العناصر النووية وإنتاج وقود نووي - كلها امتيازات وحقوق منصوص عليها ضمن معاهدة منع الانتشار النووي التي وقعتها المملكة قبل عقود.
 
وتضمن لعمان أيضا الحصول على وقود نووي من السوق العالمية بانسيابية وانتظام لتشغيل محطات توليد الطاقة النووية بعيدا عن احتكار قد يمارس ضدها بإيعاز من اللوبي المتحكم في هذه الصناعة, أو بناء على حملات تحريض قد تقوم بها دول متنفذة تسعى لتفشيل برنامج الاردن النووي من أجل كسر قراره السياسي والاقتصادي.
 
وقد يسمح ذلك لعمان مستقبلا التحول, بالتعاون مع دول أخرى, إلى مركز إقليمي لخدمات تخصيب اليورانيوم وإعادة تصنيع الوقود النووي بإشراف الوكالة الدولية للطاقة النووية التي تعكف على تأسيس بنك لبيع اليورانيوم المخصب.
 
من شأن تلك الرسالة المتوقعة إطفاء هواجس واشنطن, ومن ورائها تل أبيب, بشأن وقف الانتشار النووي في المنطقة, وتؤمن حقوق الاردن السيادية والدولية في نجاح جزء مهم من البرنامج المتعلق بالتخصيب. وبذلك تتعزّز فرص نجاح المشروع الطموح الذي أطلقه الملك عبد الله الثاني عام 2007 لتنمية الموارد المحلية - الطاقة النووية, الصخر الزيتي والطاقة المتجددة - من أجل خفض اعتماد البلاد شحيحة الموارد على استيراد النفط والغاز لتوليد الطاقة.
 
يأمل الاردن, الذي يصنف 11 عالميا لجهة احتياطيات اليورانيوم المقدرة ب¯ 65 ألف طن, في بدء العمل بأولى أربع محطات للطاقة النووية جنوبي البلاد خلال الاعوام 2017-2018 وصولا إلى تحول المملكة لمصدّر للطاقة بحلول 2030 بعيدا عن التقلبات السياسية العالمية.
 
اضطرت واشنطن, بناء على تحفظات وشكاوى عمان إلى "التفكير خارج الصندوق" للوصول إلى حل في منتصف الطريق بعد أن غدت اتفاقية التعاون النووي السلمي التي وقعتها الولايات المتحدة قبل شهور مع الامارات العربية المتحدة "المعيار الذهبي" للتعامل مع دول الشرق الاوسط. ذلك أن أبو ظبي تنازلت طواعية عن حقها في تخصيب اليورانيوم محليا مع أن تلك العاصمة الخليجية الغنية بالنفط, بعكس الاردن, لا تمتلك خامات يورانيوم لتخصيبها في الخارج أو الداخل.
 
وبات الاردن يطالب بحق أسقطته الامارات عن كل دول المنطقة التي تعمل على تطوير برامج نووية للطاقة السلمية في زمن ازدهار الفورة التقنية التي باتت تغزو العالم ضمن خيارات توليد طاقة رخيصة وضمان مصادر أخرى للطاقة بعد نضوب آبار البترول خلال العقود المقبلة.
 
المضحك المبكي أن الامارات دخلت على خط التفاوض بعد شهور على بدء محادثات مماثلة بين عمان وواشنطن بهدف التوصل الى اتفاق تعاون نووي, وفي البال أن يصبح النموذج الاردني معيار تعامل الادارة الامريكية مع الدول العربية مستقبلا - باستثناء حليفها الاسرائيلي الذي سيسمح له بالتحول إلى قوة نووية علنية دون الانضمام إلى معاهدة الحد من الانتشار النووي.
 
وتشير الوثائق الرسمية ان عمان وواشنطن "وقعتا بالاحرف الاولى" مسودة أولية للتعاون في شباط (فبراير) 2008 حفظت حقوق المملكة في تخصيب اليورانيوم محليا, بحسب معاهدة حظر الانتشار النووي, مع أنها لا تفكر بذلك حاليا لعدم امتلاكها هذه التكنولوجيا المتطورة, ولارتفاع كلفتها وشح المياه. في انتظار ذلك, سيتم التعاقد لسنوات قادمة مع شركات عالمية من خلال طرح عطاءات لتخصيب الوقود في الخارج باستخدام خامات اليورانيوم الاردني.
 
لكن عمان لا تريد توقيع اتفاق يحظر عليها إلى الابد تخصيب اليورانيوم وتصديره, باعتباره أمل القيادة والشعب في كسر الاعتماد على المساعدات والمنح الخارجية التي تكسر قرار الاستقلال السياسي.
 
عودة الى ابو ظبي التي قرّرت خطف الاضواء من الاردن وتخفيف الضجة التي أثارها المشرعون الامريكيون لإفشال صفقة تدير بموجبها شركة دبي للموانئ مرافئ أمريكية استراتيجية بما فيها نيويورك.
 
مرّرت إدارة الرئيس جورج بوش الاتفاق مع الامارات حرفا بحرف حسبما نسخت عن مسودة الاتفاق الاولي مع الاردن الذي أبقى على حق الدولة في تخصيب اليورانيوم محليا.
 
من البيت الابيض ذهب الاتفاق إلى الكونغرس حيث بدأت الضغوط بإيحاء من المحافظين الجدد, حلفاء إسرائيل, ومن لوبي التكنولوجيا النووية الذي يسعى لتفصيل ثوب استراتيجي جديد للمنطقة تكون فيها إسرائيل- التي ترفض توقيع اتفاقية حظر الانتشار الدولي- القوة الوحيدة التي تمتلك تكنولوجيا نووية للأغراض السلمية والعسكرية, حالها حال الهند التي حصلت على هذه الهدية قبل عقود لتصبح سادس دولة نووية في العالم بعد أمريكا, الصين, فرنسا, بريطانيا وروسيا.
 
فأمريكا وإسرائيل تريدان من الدول العربية التي تسعى لامتلاك طاقة نووية الاحجام عن استخدام تكنولوجيا أمريكية لإنتاج أسلحة نووية, التعهد بعدم تخصيب اليورانيوم أو إعادة تأهيل وقود نووي مستعمل والالتزام باستيراد كل حاجتها من الوقود النووي. لكن تلك المستلزمات في صميم نجاح أي مشروع طاقة نووية.
 
الاسوأ أن الامارات كانت تفاوض الكونغرس عبر شركتين أمريكيتين (سي اتش تو ام هيل وفوريوم باور) اللتين تكلفتا بإدارة الملف مع الكابيتول هيل. أي أن الامريكان كانوا يفاوضون الامريكان نيابة عن الامارات. وقبلت بشرط التخلي عن حق التخصيب, بدون استشارة أحد من العرب المنخرطين في مفاوضات لعقد اتفاقيات مماثلة أو القيام بمراجعة الهيئة العربية للطاقة الذرية.
 
التنازل الاماراتي فتح الباب أمام وضع مقاييس جديدة للتعامل مع إدخال الطاقة النووية إلى المنطقة. اليوم, تزعم أمريكا أنها غير قادرة على كسر ذلك الشرط لكي لا تضع سابقة تسمح لإيران أو لدول "مارقة" أو لحلفاء في الشرق الاوسط من أعضاء الهيئة الدولية للطاقة الدولية بتطوير برنامج نووي حسب نصوص وامتيازات المعاهدة. بهذه المعادلة يصبح المقاس المقبول لبرامج الطاقة النووية السلمية في البلاد العربية على النحو التالي: "لا لتخصيب اليورانيوم محليا, لا لإعادة تشغيل أو تبديل العناصر النووية ولا لإنتاج وقود نووي; ونعم لإبقاء هذه البرامج رهينة للوبي مزودي الوقود النووي ونعم لإبقاء علاقة نقل تكنولوجيا إلى العالم العربي قائمة على أسس التابعية من الفرات للنيل".
 
ذلك الاتفاق قد يكون مقبولا للإمارات لكنه غير منطقي بالنسبة للأردن شحيح الموارد الطبيعية, لكنه يمتلك خامات اليورانيوم وقادر على تخصيبها لتوليد الطاقة لعقود, تصدير الطاقة لاحقا وبيع الوقود ما سيدر عليه مئات الملايين من الدولارات تحصن موقفه السياسي. كما أنه يخالف اتفاقية التعاون النووي السلمي التي وقعتها واشنطن مع مصر قبل أربعة عقود لم تحظر فيها تلك الحقوق.
 
يقول دبلوماسي غربي بسخرية "وبذلك سبقت الامارات الاردن, لكن بالفشل النووي وبوضع العصا في دولاب عجلة العرب في امتلاك التكنولوجيا النووية من ألفها إلى يائها - البحث, التطوير, التعدين وانتاج اليورانيوم المخصب لتشغيل محطات توليد الطاقة النووية".
 
وبذلك تتحول مشاريع العرب في الطاقة النووية إلى برامج في الشكل وليس في المضمون. مصر تتفاوض مع شركة فرنسية لبناء مفاعل نووي للأغراض السلمية. ولدى السعودية خطة لبناء مفاعلات نووية, الا أنها تحيطها بستار من السرية, ودول المغرب العربي والكويت على الطريق أيضا بعد الامارات.
 
لكن بعد صفعة أبو ظبي, يتعين على الدول العربية التي تسعى لامتلاك تكنولوجيا الطاقة النووية أن تقف صفا واحدا في الاصرار على هذه الحقوق الاممية في أي اتفاقيات تعاون توقعها مع العواصم النووية بما فيها الولايات المتحدة وغيرها من الدول التي طورت هذه التقنية. كما عليها أن تصر على السماح لها بتبادل الخبرات داخل دول المنطقة لتطوير تكنولوجيا عربية بدلا من الاعتماد على قوى خارجية. فالماء والكلأ (الطعام) والنار (الطاقة) صمامات الحياة في صراع البقاء. والتكنولوجيا النووية أساس البقاء المستقبلي.
 
قبل الغوص في وحل أمريكا ومن ورائها إسرائيل, على الدول العربية احترام قرار القمة العربية الاخير في سرت بليبيا بداية العام, الذي حمل اعتراضا ضمنيا على صفعة الامارات للعرب. إذ أعاد القادة مجددا على "الحق الاصيل للدول العربية الاطراف في معاهدة عدم انتشار الاسلحة النووية - جميع أعضاء جامعة الدول العربية - في امتلاك وتطوير التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية, وعلى استحقاقها للدعم الدولي اللازم لتنمية الاستخدامات السلمية للطاقة النووية لا سيما من الوكالة الدولية للطاقة الذرية وعلى رفض تقييد هذه الحقوق تحت أي مبرر".
 
الاسابيع المقبلة ستظهر حقيقة التقدير الامريكي لموقف الاردن وطلبه المشروع. ففي حال وصلت رسالة الضمانات كما تطالب عمان, تكون هذه العاصمة قد وضعت سابقة تساعدها على عدم كسر إرادتها مستقبليا في حال جاءت استحقاقات عملية السلام المتعثر.
 
لكن في حال امتناع الولايات المتحدة عن ضمان حقوق الاردن في هذه الرسالة, فمن الافضل إتباع أسلوب المماطلة لسنوات وعدم توقيع الاتفاقية لحين حل النزاع بين الولايات المتحدة-إسرائيل مع إيران لكبح جماح برنامجها النووي. في الاثناء, يسير الاردن صوب استكمال البنية التحتية اللوجيستية والاكاديمية لضمان نجاح مشروع المستقبل, المضي قدما في تعدين خامات اليورانيوم, بناء مفاعل بحثي في جامعة العلوم التطبيقية لغايات البحث, التدريب والدراسة الاكاديمية من أجل تأهيل الكوادر البشرية المحلية المفترض أن ترفد البرنامج. في الاثناء لا يمانع في "تنويم" بناء المحطة الكبيرة الاولى لحين نضوج الظروف السياسية التي لا تجحف بحقوق الاردن والاردنيين.
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.