فتاة على الرصيف

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2010-08-02
1274
فتاة على الرصيف
بسام الياسين

بعد انتهاء الدوام، اخذ الموظفون ينسلون من مكاتبهم. نهض الموظف الشاب، سحب ستارة النافذة المطلة على الشارع فاحس بكآبة تسري في اعماقه. السماء مشربة بلون حليبي ناصع البياض، والرياح الشديدة تكنس ما علق بالارض استعدادا لاستقبال الضيف الثلجي.

 ارتدى معطفه، وعندما وضع قدمه خارج المؤسسة، لسعت وجهه نسمة باردة، واطفأت قطرة ماء شاردة سيجارته، هرول الى سيارته، وبعد عدة محاولات دار محركها البارد وانطلق عائدا للبيت. قاد سيارته بحذر شديد، وعلى الرصيف شاهد فتاة ملفوفة القوام، مرسلة الشعر، تنظر اليه وعلى شفتيها ابتسامة شاحبة، وفي عينيها دعوة وبعد ان اجتازها بعدة امتار، رجع اليها واشار عليها بالركوب دخلت السيارة ولما احست بالدفء يسري في عروقها، نفضت حبات المطر عنها مثل قطة مبلولة جلست الى جوار المدفئة. توقف امام الاشارة الضوئية الحمراء، وسألها وهو ينظر اليها من خلال المرآة الى اين وجهتك يا حلوة؟ ردت مطأطأة الرأس، الى حيث ترغب، عاد ينظر اليها بنظرات فاحصة، عينان عسليتان، شعر كستنائي، شعر بلذعة انفعال حيواني مفاجئ رغم برودة الجو. 
 
وصل شقته التي تعج بالفوضي، وقرأت الفتاة شخصيته من الالوان والاثاث وصور الحائط، وكلها تنم عن ذوق شاعري متشائم. احضر زجاجة وسكب لها كأسا، لكنها رفضت بشدة، وقالت: انه السم الذي اتلف كبد والدي، وشرد عائلتي، فقال لها: انت يتيمة؟ هزت رأسها بالايجاب وانفجرت بالبكاء. ذهب الى المطبخ لاعداد الشاي، انتهزت غيابه خلعت حذاءها ووضعته الى جانب المدفأة، وراحت تعصر اطراف ثوبها. وحين رجع الشاب لمح الحذاء المثقوب   المشرب بالماء، وراح ينظر الى عيونها بعيون محايدة - هذه المرة - فقرأ فيهما فجائعية انسانية مؤلمة، واحس انها موسوعة من الحزن والقهر الاجتماعي فسألها: ما هي حكايتك؟ فاجابت كان الاجدر بك ان تسألني ما هي روايتك.. اخذت رشفة دافئة من الشاي وبدأت تسرد حكايتها وكانت تنتحب بين فصول روايتها وحين توقفت اجرى الشاب مكالمة قصيرة وطلب منها مرافقته  .
 
وصلا الى احدى العمارات الفخمة في طرف العاصمة الغربي، صعدا الى الطابق الخامس، ودخلا احد المكاتب الكبيرة وطلب منها الانتظار في الصالة وتوجه الى مكتب المدير. قص على رجل الاعمال الفاضل حكاية الفتاة وخرج من عنده طالبا منها البقاء. وانصرف عائدا للبيت. اصطحب الرجل الفاضل الفتاة الى بيته وهناك عَرفّها بطريقته الخاصة على افراد اسرته ثم روى على انفراد امر الفتاة لزوجته الطيبة. في صباح اليوم الثاني بعد ان غادر الاولاد البيت الى مدراسهم قالت الزوجة للفتاة وهم يتناولون الافطار سنرتب قريبا امر عودتك الى الجامعة، واقامتك في سكن الطالبات واضاف الزوج: بامكانك العمل في احد فروع شركتنا في الفترة المسائية. تفجرت طاقة مخزونة في اعماق الفتاة وانقلب توترها الى سكنية، وقلقها الى دافع تفوق.
 
تخرجت الفتاة من الجامعة بمرتبة «الشرف» وحصلت على وظيفة محترمة بمساعدة الرجل الفاضل، واخذت تساعد امها واخوانها واثناء العمل وقع في حبها احد زملائها وحاولت التهرب منه رغم حرارة عواطفها نحوه وعندما استجابت لالحاحه سألها عن عنوان اهلها فاعطته عنوان الرجل الفاضل واخبرته انه الاب الروحي لها، ولم يتأخر   الشاب فطلبها فورا وبعد ان استقصى الفاضل سيرة الشاب وافق عليه وتكريما للفتاة اقام حفل زفافهما في بيته. بعد عام انجبت مولودها الاول واطلقت عليه اسم الرجل الفاضل الذي انقذ روحها من الضياع، علم الرجل بذلك فذهب اليها بصحبة زوجته واولاده ليباركوا لها وبعد تبادل التحيات والدموع قالت الفتاة: انني عاجزة عن رد جميلك يا والدي. فرد عليها ان الشكر لله وحده، وان طفلك هو المرآة التي ارى فيها نعمة الايمان، وحلاوة المال وهنا قامت الزوجة الطيبة وطوقت الطفل بسلسال ذهبي يحمل مصحفا نقش عليه «وما تقدموا لانفسكم من خير تجدوه عند الله».
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.