عندما تكون الصدقات اهداراً للكرامة الانسانية

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2010-08-14
1419
عندما تكون الصدقات اهداراً للكرامة الانسانية
طاهر العدوان

قبل رمضان أعلن في عمان عن قيام مواطن مغترب بالتبرع باكثر من ثلاثة ملايين دينار للفقراء والمحتاجين, فيما رفض الكشف عن اسمه وهو ما يستحق الاعجاب والثناء.

 هذا الخبر له اهمية كبرى في عالم عربي واسلامي يستغل فيه العديد من الاثرياء شهر رمضان المبارك كموضوع اعلامي للتباهي بغناهم اولاً, ولتسويق انفسهم في المجتمع بغية تحقيق منافع سياسية ومجتمعية وما ان ينتهي الشهر الفضيل حتى يعودوا الى تجارتهم ودنياهم الخاصة بقلوب مطمئنة باعتبار ان "صدقاتهم" الرمضانية ستساهم في تغيير صورتهم امام الناس وتخفي ما قد يفعلون في ميدان التجارة من استغلال ورفع اسعار, واحياناً التهرب من الضرائب وما هو حق للدولة والمجتمع.
 
وربما سنشهد, بمناسبة الحملات الانتخابية, امثلة حيّة على هذا النوع من الدعاية الانتخابية بغلاف الصدقات.
 
من الناحية الدينية, فان ما اقدم عليه المغترب الاردني, بصمت, هو تصرف صحيح وتعبير عن دافع ديني واخلاقي عميق يستهدف القيام بواجب الصدقات للفقراء, والمساكين من دون منةِّ ولا اذى. الله سبحانه وتعالى يقول في هؤلاء في سورة البقرة "الذين يُنفقون اموالهم في سبيل الله ثم لايُتبعُون ما انفقوا منّا ولا اذى لهم اجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون".
 
ليس فقط من الناحية الدينية, ولكن من الجوانب الاخلاقية والانسانية يعتبر التباهي بالصدقات نوعاً من الأذى الذي يمس شعور متلقي هذه الصدقات. فتخيلوا مشاعر الفقير او اليتيم الذي يعيش مستوراً خلف فقرة وحاجته, وهو يُجبر على ان يظهر امام وسائل الاعلام كي يتلقى صدقة او وجبة طعام, انه اهدار للكرامة الانسانية كان الاسلام تعرض لها في القرآن الكريم في العديد من الآيات. واطلق على هذه الحالات وصف "المنّ والأذى" اي التباهي بالاحسان الذي يقود الى انزال الاذى, في الفقير وهو اذى نفساني كبير لان كثيرا من الفقراء عفيفون كما وصفهم القرآن الكريم "يحسبهم الجاهل اغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا". صدق الله العظيم.
 
يكتب العالم الياباني ايزوتسو, عالم الدراسات الاسلامية "وهو غير مسلم" في كتابه الرائع (الله والانسان والقرآن) بان الانفاق المتهور والتباهي بالكرم الذي يبلغ حد التبذير هما من مظاهر الجاهلية, التي تجري خلف المجد الفارغ والكبرياء. انها الرغبة الجاهلية بالتظاهر, فالذين ينفقون من ثرواتهم لمجرد متعة التباهي ليست افعالهم من الايمان بشيء. وفيهم يقول سبحانه وتعالى (كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر). سورة البقرة.
 
بالطبع هناك تبرعات للمجتمع, من العدل والدين والاخلاق, ان يتم الاعلان عن اصحابها عندما تكون الاموال المتبرع بها, منقولة او غير منقولة, موجهة الى المجتمع بأسره او فئات واسعة منه عبر مؤسسات خيرية بعيدا عن الاعلام.
 
ففي عام القحط زمن الرسول صلى الله عليه وسلم اعلن عن تبرع عثمان بن عفان رضي الله عنه بقافلة كاملة من تجارته الى المسلمين لمساعدتهم على جوعهم وفقرهم, وكما كتبت في مقالتي يوم الخميس, نحن في الشرق الاوسط, حيث مركز العالم الاسلامي وثروته. نتمنى ان يوجد في منطقتنا اشخاص من امثال وارن بافيت الذي تبرع بـ (44 ملياراً) لمؤسسات هدفها محاربة الفقر والمرض في العالم وكذلك بيل غيتس الذي تبرع بـ (22 ملياراً) للغرض نفسه.
 
لكن ان يُستغل رمضان بوجبات افطار وبضع صدقات للتباهي والمنِّ على الفقراء فيما بالمقابل, ويوماً بعد آخر, يدل حال المسلمين وما هم فيه من تفش للفقر والمرض والبطالة حاجتهم الى وجود محسنين من اوساط نادي المليارات والتريليونات كي يشيدوا المؤسسات الخيرية العملاقة لمساعدة فقراء العالم قدوة ب¯ "بافيت وغيتس" بما يجعلهم يستحقون فعلا ان يصبحوا موضوعاً اعلامياً في كل زمان ومكان.
 
واخيراً, اشكر المغترب الاردني الذي تبرع بملايينه بصمت, لانه تجنب الوقوع بخطيئة المنِّ وانزال الاذى بالفقراء. فهو لم يقم بتوزيع امواله عليهم مباشرة تحت اضواء الاعلام مستجيباً لقوله تعالى "يا ايها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمنِّ والاذى".
 
وكما قال الشاعر:
 
أفسدت بالمنِّ ما أسديت من حسن
 
ليس الكريم اذا اسدى بمنان.
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.