العراق ينتصر لـ «وحدته» و«عروبته»

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2009-02-07
1339
العراق ينتصر لـ «وحدته» و«عروبته»
عريب الرنتاوي

لم يكن الهدوء الأمني النسبي الذي خيّم على العراق يوم انتخاب مجالس المحافظات ، هو الميزة الأبرز لهذا الاستحقاق الديمقراطي ، مع أنها "ميزة" كبرى في بلد عانى كثيرا من ويلات العنف المذهبي والطائفي وجرائم الإرهاب والاحتلال على حد سواء ، وسوف تدخل انتخابات المجالس المحلية تاريخ العراق الحديث ، عراق ما بعد صدام حسين ، بوصفها "نقطة تحوّل" ذات طبيعة استراتيجية.

 ولقد تكشفت النتائج الأولية لهذا الانتخابات عن جملة من المفاجآت ، التي يمكن تدوينها على النحو التالي:
 
أولا: الفوز الساحق الذي حققته كتلة رئيس الوزراء نوري المالكي التي حملت اسما ذا دلالة: "ائتلاف دولة القانون" ، بالغالبية الساحقة في المدن الكبرى: بغداد والبصرة ، وأغلبية واضحة في بقية المحافظات الوسط والجنوب ذات الأغلبية الشيعية ، وحلت بعدها بمسافة كبيرة بقية اللوائح ، خصوصا لائحة المجلس الأعلى بقيادة عبدالعزيز الحكيم وشهيد المحراب ، لينتصر بذلك "العراق الموحد" على محاولات تقسميه وتوزيعه حصصا وكوتات لأمراء العشائر والطوائف والمليشيات تحت مسمى "الفيدرالية" و"الأقاليم" ، ووحدة العراق نضعها هنا بين مزدوجين لأنها لن تكون إعادة انتاج بسيطة للدولة المركزية الممسك بها من قبل حفنة من الطغاة.
 
ثانيا: سجلت الانتخابات تراجع الكتل المغرقة في طائفيتها ومذهبيتها الدينية ، لصالح فئات وكتل ولوائح وطنية وعلمانية وقومية ، عابرة للطوائف ، واللافت أن انتصارات كهذا وقت بالأخص في "العتبات المقدسة" حيث كان الاعتقاد السائد بأن هذه المدن قد تحولت إلى معاقل للملالي ومن ينوب عنهم ويمثلهم ، وبهذا المعنى فقد انتصر العراق ، أو بدأ ينتصر لـ"علمانيته".
 
ثالثا: برغم أن المحافظات الكردية الثلاث ، فضلا عن كركوك ، لم تشهد انتخابات ، إلا أن المحافظات المختلطة (نينوى وديالى) ، والتي خضعت لنفوذ الحزبين الكرديين الكبيرين ، سجلت تراجعا لمرشحي هذه الأحزاب ، لصالح قوائم عربية في غالبيتها ، الأمر الذي يعكس تبدل مزاج العراقيين العرب السنة ، وتنامي مخاوفهم مما تعتقده ميلا كرديا للهيمنة أو الانفصال.
 
رابعا: انتصر العراق عموما لعروبته ، فالقوى السياسية الأكثر تبعية لإيران وارتباطا بسياساتها ومصالحها ونفوذها ، منيت بضربات قاسية في هذه الانتخابات ، ومن المرجح أن تفضي نتائجها إلى تشجيع قطاعات متزايدة من العراقيين على الجهر بميولهم الوطنية والقومية في مواجهة محاولات الهيمنة والإلحاق ، وتمسكهم بوحدة بلادهم في مواجهة محاولات تفتيتها ، وهنا أيضا نضع عروبة العراق بين مزودجين ، فهي ليست إلغائية ولا إقصائية لغير العرب (الكرد والتركمان) من أبنائه.
 
خامسا: برغم أن العشيرة في العراق (إلى جانب المؤسسة الدينية) لعبت دورا حاسما في عراق ما بعد صدام حسين الذي تميز بضعف بناه المدنية والحزبية والأهلية جراء الهيمنة البوليسية والشمولية ، إلا إن نتائج الانتخابات الأخيرة ، أظهرت تراجعا في مكانة العشائر ، السنية على وجه الخصوص ، والتي تقلب ولاؤها ما بين القاعدة والاحتلال الأمريكي ، لتعود فتلوح بإشهار السلاح في وجه الحزب الإسلامي إن هو فاز في الانتخابات ، الأمر الذي لم يحصل (في الأنبار) التي سجل فيها "المطلك" تقدما واضحا.
 
سادسا: انتصر العراق لمنطق الدولة على حساب منطق المليشيات ، وسيادة القانون على "الذبح على الهوية" ، وفتح الباب واسعا ، وربما لأول مرة ، أمام العراقيين لإعادة كتابة "عقدهم الاجتماعي" الخاص بهم ، وبصورة قد تكون رائدة على المستوى العربي.
 
إذن ، هو العراق الموحد المتخلص تدريجيا من قبضة المؤسسات والأحزاب والكيانات والمراجع الدينية ، والمتحرر من قبضة العشيرة وولاءاتها الانتهازية ، المنتفض في وجه محاولات توزيعه أسهما وحصصا على عدد من مراكز القوى الجديدة النااشئة بعد الحرب عليه واحتلاله ، هو الذي انتصر في الانتخابات العراقية.
 
لكن مع ذلك ، ما زال الطريق طويلا لعودة الروح إلى العراق ، فالانتخابات ذاتها أظهرت عمق الانقسامات العراقية ، وتحول العراق إلى فسيفساء من الكيانات السياسية (أكثر من 400 كيان) قدمت أكثر من 14 ألف مرشح تنافسوا على أقل من 500 مقعد ، الأمر الذي يثير الأسئلة والتساؤلات.
 
هي قراءة أولية موجزة وسريعة ، لانتخابات لا يمكن المرور أمام معانيها ودورسها سريعا ، فهي استحقاق حافل بالدلالات التي سيجد فيها الباحثون والسياسيون مادة دسمة للتفكير والتأمل والمراجعة.
 
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.