حين تدير الحكومة ظهرها للشعب وتستعديه?

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2010-08-29
1630
حين تدير الحكومة ظهرها للشعب وتستعديه?
رنا الصباغ

تلتزم الحكومة الصمت أمام موجة انتقادات غير مسبوقة في الداخل والخارج ضد سياساتها المقيّدة للحريات العامة خاصة الإعلامية التي عمقت انطباعات بأن الأردن يستعيد أجواء الأحكام العرفية, لكن بقفّازات ناعمة من دون سند دستوري أو أخلاقي هذه المرّة بخلاف الحقبة المبررة دستوريا لظروف قاهرة بين عامي 1957 و.1989

 وراء الصمت المقلق قد تكمن نوايا وتوجهات حكومية للضغط من تحت الطاولة على أمل شلّ بؤر الانتقاد وتحييدها من دون الاقتراب من تظلماتها أو الاستجابة لها.
 
فلا يظهر الرئيس الشاب سمير الرفاعي أي استياء معلن أو اهتمام بالقصف السياسي والإعلامي الذي يتعرض له وطاقم حكومته بسبب نزعته, على ما يبدو, لتغليب العصا في وجه كل من يجرؤ على معارضة سياساته, وتبدو الطريقة الاستعلائية في ردود أفعاله ما ينذر بتآكل كم الانجازات التراكمية التي منحت النظام السياسي صفة الاعتدال ووجها أكثر إشراقا في منطقة تهيمن عليها أنظمة شمولية في زمن العولمة.
 
إيقاع التقريع بدأ يتسارع ردا على سلسلة أزمات مفتوحة مع قطاعات مجتمعية كانت تصنف ضمن خندق الموالاة التقليدي للدولة والعرش إلى جانب سلق عشرات القوانين المؤقتة منذ مطلع العام الحالي, آخرها قانون جرائم أنظمة المعلومات. منتقدو الحكومة يرون أنها تضرب بعرض الحائط مصالح الناس المشروعة ومخاوفهم, مستغلة المادة (94) من الدستور, التي تجيز سن تشريعات مؤقتة لأمور تستوجب اتخاذ تدابير ضرورية لا تحتمل التأجيل حين يكون مجلس الأمّة منحلا أو غير منعقد.
 
تتماثل هذه الإجراءات مع نمط الحكم العرفي كما أن بعضها تحركه رغبة انتقامية, بحسب ساسة وقانونيين, وكأن حالة الطوارئ ما تزال سارية بعد 20 عاما على رفعها عقب أحداث شغب 1988 الدموية التي أدّت إلى إقالة زيد الرفاعي (1985-1988). وفي ذلك مفارقة مع القاعدة الدستورية التي برّرت آنذاك اعتماد إجراءات مقيدة للحريات تحت وطأة قانون الدفاع وتعليمات الإدارة العرفية التي تعطل سريان القوانين المدنية وتتقدم عليها في حال الطوارئ بالاستناد إلى مادتي الدستور 124 و.125
 
بموازاة تهلهل الجسور مع الناس ترشح معلومات عن خلافات تلامس حدود المشاحنات داخل مجلس الوزراء حيال المقاربات الحكومية من الأزمات, رغم أن التعديل المهلهل الشهر الماضي كان يفترض أن يبعد وزراء التأزيم ويحدث تجانسا أكبر بين أعضاء الحكومة.
 
رغم مظاهر الاستغراب التي يبديها رئيس الوزراء حين يؤشر البعض إلى اجتهادات متباينة وخلافات عميقة داخل مجلس وزرائه, لم يعد سرا غياب التوافق بين وزراء على طبيعة الإدارة مع تراجع التنسيق بين أركانها الأساسيين, وأيضا حول أسلوب التعاطي مع محاور مفصلية داخلية خلقت أزمة تلو الأخرى. ولم يعد خافيا على ساسة ومراقبين أن التباين في أسلوب التعاطي مع الأزمات وسّع الهوة بين رئيس الحكومة من جهة وبين بعض مراكز النفوذ الأخرى. ويرى ساسة أن الحكومة, التي استعادت كامل ولايتها الدستورية خلال العام الماضي, اتجهت للتطرف في إدارة الملفات محدثة خلخلة في توازنات القوى قد تكون أسوأ من الصراع الذي احتدم سابقا بين مراكز القوى خارج الدوار الرابع.
 
الجديد أن قصف سياسات ساكن دار الرئاسة لم يعد حكرا على المعارضة التقليدية بقيادة الإسلاميين الذين قرروا مقاطعة الانتخابات التشريعية نهاية العام بسبب عدم حصولهم على ضمانات حكومية تضمن نزاهتها وشفافيتها, ما يضعف شرعية "العرس الديمقراطي" على وقع اتساع خيار المقاطعة الذي ترصده بقلق سفارات الدول الغربية المانحة, بل اتسعت دائرة الاحتجاج المجتمعي لتضم طبقة الموالاة التقليدية للنظام من أبناء وبنات الدولة -عسكريين متقاعدين, قضاة, معلمين, عمال مياومة- يطالبون بتحسين ظروفهم المعيشية, المساواة ومكاشفة الناس. هذه الدائرة قد تستقطب قواعد مسحوقة إضافية لتتحول إلى معارضة سياسية بامتياز قد تتفاقم- لا قدر الله - إلى أحداث تهدد أمن الأردن واستقراره.
 
معطوفا على ذلك سلسلة انتقادات من منظمات حماية حقوق الإنسان غربية. وظهرت تحقيقات ومقالات غير معهودة في كبريات وسائل الإعلام الأجنبية والعربية المؤثرة ترصد تدهور الحريات العامة رغم محاولات الحكومة لدفنها, وتسلط الضوء على الإجراءات والتشريعات المؤقتة والأنظمة المستحدثة التي تعكس تراجع مستوى الحريات السياسية والإعلامية.
 
ترفع سخونة أجواء الاحتقان الأزمة الاقتصادية المتعمقة, اتساع رقعة الفقر ومخاوف من تداعيات انغلاق أفق قيام دولة فلسطينية مستقلة على هوية الأردن في غياب أجواء الثقة بين الحكومة والشعب. صحيح ان الأزمة الاقتصادية-السياسية-الاجتماعية الحالية هي نتاج تراكمات انفجرت في وجه حكومة سمير الرفاعي الذي أعلن من اليوم الأول انه لا يبحث عن شعبية في سبيل إنقاذ البلاد, لكن الحكومة بوعي أو من دون وعي ساهمت في تفجيرها بسبب طريقة تعاملها مع المطالب المجتمعية.
 
اليوم يخطئ الرئيس, وأيضا بعض وزرائه, إذا استمر في الاعتقاد بأن المعارضة لسياساته ليست شعبوية وإنما نخبوية بامتياز تسعى إلى تسديد حسابات مع عهدي الرئيس الحالي ووالده زيد الرفاعي الذي شغل منصب رئيس الوزراء لفترات متقطعة زادت على السبع سنوات منذ .1973
 
فدولة الرئيس وعدد من وزرائه يجاهدون لخلق انطباعات داخل مجلس الوزراء ولدى صانع القرار بأن التحركات الداخلية هي من صنيعة أقلية نخبوية مرتبطة بصالونات الشغب السياسي أو بمجالس جنرالات متقاعدين, وأن الأوضاع العامة في البلاد ليست بذلك السوء, ويرفضون الإقرار بوجود مشاكل تاركين الانطباع بأن المتقاعدين العسكريين الذين يحركون أقرانهم لا يتعدون أصابع اليد وكذلك القضاة والمعلمين, وعمال المياومة وبعض المواقع الالكترونية "غير الملتزمة" وحفنة من الإعلاميين المشاغبين ممن يبحثون عن نجومية ويدارون بكبسة زر من أصحاب الدولة والعطوفة.
 
نعم, هذه الرواية الحكومية الأكثر شيوعا هذه الأيام, فكلما "دق الكوز بالجرة" يعلق المشجب على احد. يضاف إليها محاولة تصوير كل موقف يحمل في طيه نقدا ايجابيا وبناء على لسان سياسي أو ناشط حزبي أو إعلامي محترف بأنها "مؤامرة" تستهدف تفشيل الحكومة مع ان الحكومة هي التي تجني على نفسها من خلال إصرارها على إدارة ظهرها للنصائح وتجاهل مظلمة الأردنيين إلى حدود المس بالكرامة.
 
في هذه الأثناء نشهد صحوة مراكز نفوذ أخرى تحاول الضغط لتنفيس الأزمات من خلال التحاور مع مكونات المجتمع المتظلمة لتعزيز هيبة الدولة, خاصة أن تيار المقاطعة سيؤثر عليها وليس على الحكومة غير المخلدة, أما الرئيس فيتصرف وكأن الأمور زوبعة في فنجان.
 
يتحرك الرئيس في شبه حرية مطلقة, ومن دون مجلس أمة, يستند إلى جوقة من الإعلاميين الذين يتحكمون بمفاتيح الإعلام المرعوب بأطيافه وتلاوينه الرسمي, وشبه الرسمي وحتى خاص يدار على أسس تجارية مصلحية بحته. هؤلاء الصحافيون يقفون بالمرصاد لكل من ينبه إلى الأخطاء ويزايدون على وطنية كل من يجرؤ على انتقاد دولة الرئيس أو سياسات حكومته الرشيدة.
 
حال الإعلام المرعوب كحال غالبية من يجلس على مقاعد الدوار الرابع, بمن فيهم بقايا الليبرالية الاقتصادية وليس السياسية. نجحوا مع الرئيس في الطبطبة على الأزمات المتلاحقة قبل ان يخرج غسيل الأردن إلى الخارج عبر وسائل إعلام محترفة لا تدار بكبسة زر كما تعود مسؤولو الأردن. فقأت الدمل الزميلة جنين زكريا من صحيفة الواشنطن بوست واسعة التأثير عبر تحليل واقعي كتبته بعد أن أمضت أياما في الأردن وتحدثت إلى أطياف المجتمع إلى جانب مقابلة رئيس الوزراء وغيره. التقرير هز صورة الأردن في الخارج, تحدث عن أن "القيادة تواجه كماً غير مسبوق من الانتقادات في الفترة الأخيرة بالتزامن مع توجه نمطي نحو حاكمية استبدادية يصفها المراقبون بفترة طقوس استثنائية" تلبدت بشكاوى وانتقادات علنية من فئات شعبية وسياسية تجاه المسار الذي يطرقه الأردن, وتوصلت كاتبة التحقيق إلى أن "الخطوات التي تتخذها الحكومة لتقييد الحريات - إلى الآن - تسيء لسمعة جلالة الملك الذي عرف بأنه إصلاحي مستنير, وولدت استياء مدهشا بين الأنصار التقليديين الموالين للنظام".
 
تبع ذلك تقارير مشابهة رصدت الحراك الداخلي في صحيفة الغارديان البريطانية, وعلى أثير إذاعة ال بي. بي. سي العالمية, ونشرات وكالات الأنباء العالمية - الصحافة الفرنسية, ورويترز, وصفحات يوميات عربية رائدة كالحياة اللندنية, والنهار اللبنانية.
 
والحبل على الجرار في ظل حالة الإنكار والصمت.
 
فالأردن ليس جزيرة معزولة, وهو الآن تحت مجهر الجميع. سنوات المراوحة في تطبيق إصلاحات سياسية عميقة تمأسس لحاكمية رشيدة في دولة المواطنة المدعومة بمعايير شفافية ونزاهة... الخ انكشفت حالها حال الازدواجية في الخطاب الرسمي لدى التعامل مع الجبهة الداخلية ومع الخارج. انكشف الأمر ولا مجال لمزيد من التراجع بعد اليوم!!.
 
على الحكومة الحالية, التي يسعى بعض أعضائها لتبييض الوجه مع جلالة الملك وتعزيز وجود "بكّاياتها" في المواقع الرئيسية لخدمة أهدافها الخاصة في مرحلة ما بعد رحيلها, محاولة إطفاء الحرائق التي أشعلتها بيدها على كل الجبهات قبل الانتخابات النيابية, لحماية ما تبقىّ من هيبة الدولة.على أعضائها النزول من برجهم العاجي ومن عقلية التعامل مع المجتمع عبر مسجات التويتر وتنفيس الاحتقان من خلال توسيع مناخ الحريات السياسية والحوار مع التيارات كافة لأن المظلة الهاشمية لكل أبناء النظام وليست حكرا على فئات معزولة غير منسجمة مع المجتمع وثقافته.
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.