ردود الفعل على حفلة سب السيدة عائشة في لندن

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2010-09-16
2135
ردود الفعل على حفلة سب السيدة عائشة في لندن
ياسر الزعاترة

في لندن ، بادر رجل دين كويتي ينتسب للمذهب الجعفري (اسمه ياسر الحبيب) إلى إقامة احتفال في لندن خصصه لسب أم المؤمنين عائشة والطعن في عرضها ، الأمر الذي أثار ردود فعل واسعة النطاق من قبل عدد من الدوائر الإسلامية. وكان لافتا أن دوائر شيعية عديدة قد دخلت على الخط مستنكرة الفعلة النكراء كان من بينها المجمع العالمي لأهل البيت وعدد من رموز الشيعة في العالم العربي.

 بيان المجمع بدأ بالآية الكريمة (رقم 6 من سورة الأحزاب) التي تقول "النَّبًيُّ أَوْلَى بًالْمُؤْمًنًينَ مًنْ أَنفُسًهًمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الأرْحَامً بَعْضُهُمْ أَوْلَى بًبَعْض..". ثم وصف ياسر الحبيب بأنه "شخص نكرة" ، واستنكر فعلته الشنيعة ، واعتبر أنها تنتهك "حرمة المقام الشامخ المعصوم للرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام ، وتتعرض لحرمه الشريف ، وتسيء إساءة بشعة لعرضه الطاهر ، وتتنافى بوضوح مع تعاليم القرآن الكريم وسيرة أهل البيت عليهم السلام".
 
ردود الفعل السنية على الواقعة كانت مهمة ولافتة للنظر ، لكن بعضها كان بالغ القسوة ، حيث طالب الشيعة لإثبات براءتهم من (ياسر الحبيب) وأمثاله بالتنازل عن أكثر المعتقدات المعروفة في مذهبهم ، الأمر الذي لا يمكن أن يكون مقبولا بالنسبة إليهم ، كما لا يساهم في تخفيف حدة التوتر الذي لا يستفيد منه سوى أعداء الأمة الذين لا يفرقون بين شيعي وسني ، بل يتقبلون من يتعاون معهم ويعادون من يواجههم أيا يكن مذهبه (لا الشيعة سواء ولا السنة كذلك في سياق الأفكار والمواقف السياسية).
 
المعتقدات لا تتغير بالإكراه وفرض الشروط ، وإنما تتغير بالحوار الذي قد يمتد لزمن طويل ، والمذهب الشيعي سيخضع لهذه النظرية الإنسانية ، وستكون الطقوس والأساطير التي تلبست به خلال القرون برسم المراجعة ، الأمر الذي ينطبق على سائر المذاهب والتيارات التي ستميل بالتدريج إلى رؤية وسطية في زمن ثورة المعلومات وعدم إمكانية اجترار الرؤى الفكرية والعقائدية في الظلام أو السر دون نقد وتمحيص من قبل الآخرين.
 
ما فعله كثير من رموز الشيعة في سياق الرد على هرطقات (ياسر الحبيب) هو أمر محمود ويستحق الشكر ، ولا ينبغي استمرار الحديث عما في الكتب ، لأن فيها الشيء ونقيضه ، ولأن المسائل في مجملها خاضعة للمراجعة ، ولأن ما يعنينا هو الموقف المعلن الذي سيرسخ في وعي الأجيال بمرور الوقت. وإذا قيل إن ذلك محض "تقية" ، فإن هذه النظرية لم تعد فاعلة في الزمن الحالي ، ثم إن ما يعنينا هو الموقف المعلن الواضح وليس الاعتقادات القلبية التي يحاكم عليها رب العزة وحده.
 
ثمة جانب مهم هنا ، وهو أن ياسر الحبيب ينتمي إلى من يعرفون بـ"الشيرازيين" ، وهم تيار له حضوره في الوسط الشيعي ، لاسيما في إيران وبعض دول الخليج والعراق ، وهو ذاته الذي يمارس التبشير بالمذهب الشيعي في الأوساط السنية (يحقق نجاحات هامشية هي أقرب للشراء منها إلى أي شيء آخر) ، وللأسف فهو تيار واضح التصميم على تكرار المقولات الممجوجة حول السيدة عائشة وضرب أبي بكر وعمر للسيدة فاطمة ، إلى غير ذلك من القضايا التي تؤجج الأحقاد (سبق أن كفروا الراحل الكبير السيد فضل الله بسبب مراجعاته على هذا الصعيد) ، ومن يتابع بعض فضائياتهم ، ومنها كويتية التمويل يدرك ذلك بوضوح.
 
هنا ينبغي أن يكون لإيران الرسمية موقف من هؤلاء إذا أرادت تغيير صورتها في الوعي الجمعي للمسلمين السنة ، فيما ندرك أن بعض دوائرها ترى فيهم (أعني الشيرازيين) شكلا من أشكال الرد على التطرف السلفي الذي يذهب في اتجاه تكفير الشيعة (الروافض) بالجملة.
 
على أن ذلك لا يحول بيننا وبين الاعتراف بوجود تيارات إسلامية (سلفية وأحيانا غير سلفية) تمارس التكفير الجماعي بحق الشيعة بالفعل ، ولا تتورع عن سب رموز الشيعة ، ووصفهم بأبشع الأوصاف ، فضلا عن استفزاز القوم بالمبالغة في تبرير ما فعله الصحابي معاوية في نزاعه مع الإمام علي ، أو مديح يزيد (قاتل الحسين) ، مع أن ذلك لا يبدو مجديا ، ولن يضير الأمة التوقف عن ذلك ما دمنا نعترف بأن سيدنا علي قد بُغي عليه بنص الحديث الشريف ، بصرف النظر عما إذا كان معاوية مجتهدا كما يرى البعض أم غير ذلك.
 
بقي القول إن من العبث التعامل مع أهل السنة بوصفهم طائفة تواجه طائفة أخرى ، لأنهم بيضة الإسلام وحملته والمبشرون به والمدافعون عنه طوال القرون ، ومذهبهم لم ولن يكون مهددا من أحد ، كما أنهم يستوعبون المسلم وغير المسلم ، وسيكون بوسعهم إذا انتصر صوت العقل أن ينفسوا الكثير من التوترات ويصهروا الجميع في روح الإسلام الوسطية المعتدلة بعيدا عن أحقاد التاريخ وخلافاته.
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.