نهاية رجل جبان..!!

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2010-10-13
2522
نهاية رجل جبان..!!
بسام الياسين

 هو...قصير القامة، ضعيف البنية، ذو شخصية رعديدة، ونظرات زائغة.في لسانه عوج ذميم.اطلق الجيران على امه لقبªام ميلهªلانها تميل في مشيتها لقصر في رجلها اليسرى نتيجة خلع في الولادة، اذ انها كادت ان تقضي على امها بعد ان تعسرت ولادتها،ولانجابها طفلها ´المعجزةª بطلنا الخارق.

 هذه الصفات الدونية ولدّت عنده شعورا بالنقص بين الرجال، وخجلا حادا من الاختلاط بالنساء. ما زاد في استفحال تعقيداته حيث اصبح هدفا للسخرية عند اقرانه في المدرسة، ورغم ظروفه النفسية الخانقة وخيباته الموصولة، استطاع بشق الانفس اجتياز المرحلة الثانوية زحفا، خسر اثناءها شعره اثر مهاجمة ´الثعلبة ´فروة رأسه، وحصادها اخر شعرة حتى اصبح رأسه الصغير المفلطح، املس كالبلاط الصيني، يثير الضحك، فاضطر الى ملط شاربيه، ليكتمل المشهد الكاريكاتوري بشاعة . و بالرغم من علاماته المتدنية في التوجيهي، دخل الجامعة من البوابة الخلفية محمولا على ظهر احدى واسطات الجمعيات الخيرية، تحت مسمى ´ الطلبة الاشد غباءª.وبدلا من ان تغمره الفرحة، اجتاحته سلفا نوبة من الاوجاع النفسية جراء رهاب عدم التكيف مع الوسط الجامعي، وكان اكثرها ايلاما كيفية التعامل مع الفتيات، .خاصة انه بلا تغطية وخارج التغطية في اّن واحد، كأنه يعاني من شيخوخة مبكرة، الامر الذي دعاه الى الانطواءعلى نفسه، والانكماش مثل حلزونة داخل صدفتها.
 
انكماشه الشديد، لفت نظر فتاة جامعية متفتحة اشفقت على حالته، وحاولت مساعدته،واخذت تقترب منه بحذر كمن تحاول القبض على دجاجة للذبح. وتدريجيا نجحت في تدجينه وانسنته حتى ظنت انها روضته، وذات صباح ربيعي دعته الى الكفتريا لتناول القهوة معها، وهي سعيدة بانجازها، فاذعن لطلبها دون مناقشة، وسحبته كخروف مطواع، وراحت تجاذبه اطراف الحديث، وهما يجلسان على طاولة بعيدة عن صخب الطلبة وضجيجهم، وهو يرد عليها بكلمات متقطعة فيما العرق يتصبب منه، كأنه اصيب للتو بذبحة صدرية او حُشر كرجل سمين في حمام ´ساوناªلاذابة تلال الشحوم المتراكمة على على اردافه..
 
حضر النادل ومعه القهوة، وبادرت هي بالدفع، ولم تبدو منه اية معارضة، مع ان التقاليد الشرقية تقتضي ان يدفع الرجل .تناول كوب القهوة البلاستيكي بيد مرتجفة، وبدلا ان يرشف منه رشفة صغيرة، شفط شفطة كبيرة حرقت فمه، فماكان منه الا ان ترك الكوب يسقط من يده فاندلق على قميصه. كتمت الفتاة امتعاضها منه، واستغربت شدة حرجه، ومع ذلك قامت بتلطيف الجو،حتى لاتزيد الامور تعقيدا، وتضيف عقدة جديدة الى سجله الحافل بالتعقيدات، فطلبت اليه الذهاب الى الحمام لغسل بقعة القهوة،وكانت تود في قرارة نفسها ان تقول له ياشاطر :´روح للماما خليها تبدل قميصكª.لكنها كتمت رغبتها.وآثرت الصمت. لم ياخذ الشاب بنصيحتها بالذهاب للحمام، بل التقط ما كان يجول في نيتها، وكأنه قرأ افكارها وقفل عائدا الى البيت، والخجل الممزوج بالخزي يقطر من كعب رجليه،ومذاك انقطعت الفتاة عن التعامل معه وقد ايقنت ان النظام العربي ذي الوضع المزري قابل للاصلاح السياسي رغم انه معطوب وميؤوس منه، فيما هذا الفتى ´المعجزةª بحاجة الى معجزة لفكفكة عقده، وتعديل سلوكه..
 
التقاها عدة مرات بعد الحادثة، فاشاحت بوجهها عنه، شعر حينها بمتعة كبيرة بالتخلص منها، واحس بانه امتلك حريته عكس خلق الله قاطبة في مثل هذه الاحوال، عندما يفقد الشاب صديقة بالغة الجمال، وشديدة الحنو. بعد جهاد مرير حصل على الشهادة الجامعية، وكانت فرصه ذهبية ومعجزة اضافية، حين حصل على وظيفة مهمة وحساسة في فترة قصيرة دون معوقات، ومما ساعده على ذلك، سقوط الشعار الاداري الذهبي ´الرجل المناسب في المكان المناسبªورفع الشعارالخشبي ´الافضلية للاقرع والبقاء للاصلعª كعنوان صريح للتسيب الاداري،والمرحلة المتردية..
 
 بعد استلام صلاحياته، استفاقت في اعماقه جميع عقده الموروثة والمكتسبة، فحمل قنوة نوع ´سنديانة ´وتزنر بهراوة من ماركة ´بلوطª تعود جذورهما الى العصر التركي .ومنذ اليوم الاول راح يضرب ذات ´اليمينª وذات ´اليسارª ولم يسلم منه ´الوسطª، مدفوعا بعقدة ثأرية، وطفولة مهشمة...يحكمه اعتقاد خاطىءان الاخرين سيئؤون يجب تحطيمهم، والاطاحة بهم لان الجحيم هو الاخر، كما قال الفيلسوف سارتر بغض النظر عمن يكون هذا الاخر.
استمر على هذا المنوال طوال خدمته، دون ان يدري انه بافعاله هذه لايخدم وطنه، وانما يشبع ميوله العدوانية، ويُنفّس عن مكبوتاته الدفينة، ويُكشر عن غرائزه الحيوانية، لرد الاعتبار الى ذاته المشوهة بعد سلسلة الاساءات التي تعرض لها في طفولته، ولم يبرد بركانه المتفجر، الا بعد ان وجد ذات يوم كتاب احالته على التقاعد ينتظره على مكتبه بعد ان عمل على قطع الارزاق، وفرم الاصابع،وقص الالسنة، وتخريب الذمم،وتدمير مستقبل الشباب.
عاد في ذلك اليوم الأسود الى البيت، كسيرا مهزوما مستنزفا، ومستذكرا يوم عودته قبل عقدين من الجامعه، وآثار القهوه على قميصه، ولذعه من الماء الساخن تكوي جلده، لكنه هذه المره، كان الألم يعتصر صدره، والوجع يضغط قلبه .والادهى ان ضميره استيقظ من سباته و تحول إلى مرآة شيطانية تعذبه، تكشف مخبوءات أفعاله، وتمد لسانها له كلما نظر فيها، فابتدأ مسلسل الأوجاع الجسديه ينخر عظامه، والضيق يطبق على أنفاسه، وحالة من الكآبه تسيطر على سلوكه، وتُكّدر مزاجه، وسوداوية حادة تغلف حياته، لدرجة ان البانيو الذي أحضره من إيطاليا للإسترخاء فيه عند الشعور بالتوتر لم يفلح في تفكيك الصدأ عن أعصابه المشدوده، ناهيك عن الحبوب المهدئة قد فقدت تاثيرها.في التخفيف من اوجاعه.
 وإذا كان التاريخ يعيد نفسه على شكل مهزلة، كما يقول العارفون بتعاقب الاحداث،فان الضالعون في علم النفس يؤكدون ان صاحبنا، هو الآخر عاد إلى بيته على شكل بهدلة ...شبح في كومة من العظام، يعيش حبيس ضميره المثقل بالآثام، وهو الرجل الذي كان يشار إليه بأصابع اليدين والقدمين .... فياسبحان من له الدوام على الدوام.....!!!
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.