الأبواب الموصدة

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2010-10-20
1376
الأبواب الموصدة
بسام الياسين

الانتخابات النيابية لها قدسيتها وهيبتها، ويوم الاقتراع كان عيدا وطنيا لا عرسا ´ديمقراطياª كما اطلق عليه متعهدو الاعراس مؤخرا، وافرغوه من معناه ومبناه كما فعل به مقاولو الافراح هذه الايام. لا احد ممن يعرف ابجديات السياسة، ودهاليز العمل العام، يتفق مع الرأي المطروح داخليا وخارجيا بان الاسلاميين واحزاب المعارضة وبعض الهيئات والشخصيات الوطنية والقومية واليسارية، انهم العائق الاساس، وراء ضعف المشاركة في الانتخابات، والعزوف عن التصويت، والمُحّفر الرئيس، في توسيع اطار حملة المقاطعة مع عدم انكار دورهم في هذا المضمار.

 هناك اسباب قوية اسهمت في بلبلة العملية الانتخابية، وتجريدها من الاحترام الجماهيري، من خلال العبث بها، والتلاعب في سيرها بوسائل كثيرة لم تعد خافية على رجل الشارع العادي، مما عزز لدى العامة عدم جدواها، وفقدان الثقة بها، وعَمّق القناعة بأن صوت المُقترع - لا يقدم ولا يؤخر - فالنتائج محسومة سلفا، الامر الذي انعكس سلبا على العملية السياسية برمتها، اذ ان العملية الانتخابية هي منصة الاصلاح السياسي، وقاعدة انطلاق المبادرات الاصلاحية، فالاصلاح يبدأ بالبرلمان، ولا ينتهي فيه.
 
هذه السلبيات المتراكمة عبر عدة حلقات انتخابية ادت الى تراجع دور الانتخابات في الثقافة السياسية الوطنية، ولم يعد المقترع يشعر بذاته ومواطنته اثناء التصويت، وانه جزء لا يتجزأ من عملية الاصلاح، فقدكان في الماضي حين يدلي بصوته، يتجاوز الانا الضيقة ´النرجسية والعائلة والحارة والعشيرة والبلدة لينخرط في الكل الجمعي.
 
 الفاجعة بعد مائة عام على تأسيس المملكة نعود القهقري الى المربع الاول، لتصبح العشيرة قاعدة   سياسية، والهوية الفرعية تتمدد افقيا وعاموديا على حساب الهوية الوطنية/ الهوية الام،   في غياب جلي للدولة والمجتمع المدني او تغييبهما في ظل ازمة خانقة، وردة بدائية الى ما قبل الدولة، وسط قتال مسلح بين مكونات العشيرة الواحدة من ناحية، وبين هذه العشيرة والعشائر المنافسة من ناحية اخرى، بدأ الاعتزاز بالشعار الجديد ´العشيرة قبل وفوق كل شيء.
 
 فيما تلاشى شعار الاردن اولا، وارتفع منسوب طغيان التفاخر بالهوية الفرعية في احاديث المجالس وعلى اللافتات، والخوف - كل الخوف - ان تتحول هذه الازمة الى معضلة مستعصية، ولا نجانب الصواب اذا قلنا ان هذه ´الدربكةª على مرمى الانتخابات هو نتاج قانون انتخاب متخلف ازداد تخلفا بملحق الدوائر الوهمية في هذه الدوائر يبقى المرشح رهينة بيد الأقدار"..." تماما كالذي يصوب مسدسا إلى رأسه على طريقة الروليت الروسية فاما أن ينجو واما أن تتطاير جمجمته أشلاء يصعب لملمتها.
الصوت الانتخابي امانة دينية واخلاقية وثقافة سياسية تراكمية، أُطلق عليه مجازا ´الصوت مع انه حقيقة غاية في السرية، لكنه بالمعنى السياسي رأي شخصي يدلي به المواطن المقترع ليسمعه رأس الهرم ويزكى به مرشحه، ويحدد برنامجه لتعرف من خلاله المرجعية الاعلى في البلاد اتجاهات الشارع وشواغل المواطنين، اضافة الى انه طقس وطني يمثل اعلى درجات الديمقراطية، الا ان هذه المعادلة بُترت، فالمرشحون بلا برامج، وبعضهم بلا رؤيا، بل يرى بعضهم الاخر في النيابة مشيخة او مشروعا تجاريا او استعادة امجاد بائدة وتلميع اسماء عفا عليها الزمن.
 
من هنا فان الانتخابات المقبلة بعد ثلاثة اسابيع، ستقتصر على المرشح وجماعته ومجموعة موظفيه من افراد حملته اما الغالبية فانها ستسعد بيوم كسل باهظ الثمن ستدفع اجرته الدولة من خزينتها المدينة بعشرة مليارات دينار، لان هذه الاغلبية غير مستعدة للمزاحمة على بوابات الملعب الوطني للانتخابات من اجل التشجيع، والانخراط في اللعبة بل ستكتفي بمشاهدة الركلات الترجيحية عند انتهاء اللعبة لمعرفة الفائزين.
 
السبب وراء هذه اللامبالاة الشعبية فقدان العملية الانتخابية   اية دلالة سياسية، والغياب   المطلق للبرامج التي تلامس حياة المواطن كالشأن السياسي والاقتصادي والاجتماعي مع ان هذا الثالوث المقدس هو الركن الركين للدولة، ودليلنا على ذلك ان بعض المرشحين نزلوا الى الملعب بلا شعارات اما الباقي فهي شعارات انشائية وبعضها تدغدغ الحس العشائري بطريقة ذكية. تلميحا لا تصريحا.
 
بمنتهى الصراحة والعلانية ومن دون مواربة ندعو من فكك اللعبة الانتخابية اعادة تركيبها ولا نقول من هدم اللعبة عليه اعادة بناؤها، وعلى هؤلاء الاستفادة من الاخطاء الماضية لتعديل السلوك السياسي، وتصحيح الوضع الاقتصادي، واعادة اللُحمة والحميمة للعلاقات الاجتماعية المعطوبة التي انتهجت طريق الاقتتال بالاسلحة النارية على التنافسية الديمقراطية.
 
آن الآوان لمد الجسور بين القمة والقاعدة، وهذا يقتضي بالدرجة الاولى ازاحة ´النخبة المتخمةª من تجار الكلام، وادعياء الوطنية الذين يعملون في السياسة من باب المنفعة، واعادة تشكيلها من جديد والتمحيص والتدقيق بسجل وتاريخ كل واحد من هؤلاء ´القادةª خاصة سجله السياسي والاقتصادي وكفاءته الاخلاقية فاذا كانت الدولة لا تسمح بتوظيف مراسل الا بعد حصوله على شهادة حسن سلوك وعدم محكومية، فمن باب اولى تطبيقها على الرؤوس الكبيرة. لان في انحرافها يكمن الخراب والتخريب. واثار هؤلاء كفيلة بادانتهم ومحاكتهم باثر رجعي.
 
في السياق ذاته نؤكد ان المواعظ على المنابر، والخطابة من وراء شاشة التلفاز، والضجيج الاعلامي خلف مايكروفونات الاذاعة لن تحل المشكلة فالازمة عميقة وبالمقابل نؤكد ان مجتمعنا عجز عن التعامل السلمي مع التعددية ضمن تنافسية سلمية لا عنفية، مما ادى الى استعمال السلاح الابيض والناري مقرونا بضعف الحكومة الجلي في ردع هؤلاء الذين يستخدمون القوة على طريقة الخارجين على القانون في فرض مرشحهم على الساحة الانتخابية بالقوة.
 
وعليه فان تعثر التحول الديمقراطي يدل دلالة واضحة وقاطعة   على ضعف المشاركة في الشأن العام لدى المواطن خاصة، وهشاشة الاحزاب مع تملص الجميع واحجامهم عن دفع فاتورة الاصلاح السياسي الباهظة التكاليف، اما النزوع الى القاء اللائمة بالاخفاق على مشجب الصهيونية والامريكان تارة والتدخلات الاقليمية تارة اخرى والحقيقة ما هو الا تنفيس عن احتقانات هاجعة على مدى عقود سببها الاول والاخير الضغوط السلطوية السياسية.
 
نختم بالقول ما قاله احد فلاسفة السياسة، والتحليل النفسي الاجتماعي ان الصوت لم يعد يعطي الناخب تلك الاهمية نتيجة لما مر من تحت انفه من روائح...!!
 
الحل يكمن في اختيار مجلس نيابي شعبي واسع التمثيل يحظى بثقة الجميع على اختلاف مشاربهم ويتمتع اعضاؤه بسجل نظيف، وسمعة طيبة. محمولين على ظهر قانون انتخاب عصري متقدم يلبي   تطلعات مكونات المجتمع كافة.
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

موسى خليل24-10-2010

الانتخابات سلاح ذو حدين ... يمكن استخدامها للرقي بالمجتمعات من مجتمعات العشيرة و القبيلة إلى مجتمعات الدولة و القانون الواحد . من مجتمعات يصنع قرارها الافراد إلى أخرى يصنعها أجيال بأكملها , ومن جهة أخرى يمكن أن تتحول العملية الانتخابية إلى مجرد أداة لتغطية فضائح الحكومة و مده
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

ابو منصور21-10-2010

اخي ابو محمد , تحية للوضوح والمباشره وبعد :

* ما يجمع بين العرس الديمقراطي للانتخابات والاعراس المعروفة هو البذخ بتقديم المناسف , وفتح "جبخانه" من كوكتيل الرصاص والالعاب النارية كفيلة باقلاق راحة الاحياء والاموات .

* ان شعار " العشيره قبل وفوق كل شيء" هو افراز طبيعي لمجتم
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.